فاعترضهما في الطريق أعداء المصحوب ، فأنكر الصاحب أنّه هو فأحلفوه ، فحلف لهم أنّه أخوه ، فلمّا أتى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال له : " صدقت ، المسلم أخو المسلم " 28 . إلى غير ذلك ممّا يظهر منه ذلك 29 .
أمّا الكلام في المقام الثاني وهو مسوّغات الكذب ، فاعلم أنّه يسوغ الكذب لوجهين :
أحدهما - الضرورة إليه : فيسوغ معها بالأدلّة الأربعة ، قال اللّه تعالى :
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ( 756 ) وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
30 . وقال تعالى :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
31 . وقوله عليه السّلام : " ما من شئ إلّا وقد أحلّه اللّه لمن اضطرّ إليه " 32 وقد اشتهر أنّ الضرورات تبيح المحظورات .
والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى ، وقد استفاضت أو تواترت بجواز الحلف كاذبا لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو أخيه 33 . والإجماع أظهر من أن يدّعى أو يحكى . والعقل مستقلّ بوجوب ارتكاب أقلّ القبيحين مع بقائه على قبحه أو انتفاء قبحه ؛ لغلبة الآخر عليه على القولين في كون القبح العقلي - مطلقا أو في خصوص الكذب - لأجل الذات فيختلف ، أو بالوجوه والاعتبارات .
ولا إشكال في ذلك كلّه ، إنّما الإشكال والخلاف في أنّه هل يجب حينئذ التورية لمن يقدر عليها أم لا ؟ ظاهر المشهور هو الأوّل ، كما يظهر من المقنعة 34 والمبسوط والغنية والسرائر 35 والشرايع 36 والقواعد 37 واللمعة وشرحها 38 والتحرير 39 وجامع المقاصد والرياض 40 ومحكيّ مجمع البرهان 41 في مسألة جواز الحلف لدفع الظالم عن الوديعة . قال في المقنعة : من كانت عنده أمانة فطالبه ظالم فليجحد ، وإن استحلفه ظالم على ذلك فليحلف ،
شرح
الآخر مطابق للواقع ، وهو كاف في اتّصافه بالصدق . ولكنّه كما ترى . وبالجملة ، لا ينبغي الإشكال في دلالته على صدق التورية الملازم لسلب الكذب عنه .
756 . في دلالة هذه الآية - وكذا ما بعدها - على جواز الكذب مع الإكراه والضرورة ما لا يخفى ، لعدم عموم أو إطلاق فيها يعمّ الكذب . نعم ، يمكن الاستدلال بها بتقريب :
أنّه إذا جاز عند الضرورة الكفر واتّخاذ الكافر وليّا - مع شدّة الاهتمام على عدم وقوعهما في الخارج - جاز الكذب بطريق أولى .