فإنّ قوله : " ما من أحد . . . الخبر " يدلّ على أنّ الكذب من اللمم ( 740 ) الذي يصدر من كلّ أحد ، لا من الكبائر . وعن الحارث الأعور عن عليّ عليه السّلام ، قال : " لا يصلح من الكذب جدّ و [ لا ] هزل ، ولا يعدنّ أحدكم صبيّه ثمّ لا يفي له ، إنّ الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ، وما زال أحدكم يكذب حتّى يقال : كذب وفجر . . . الخبر " 18 . وفيه أيضا إشعار بأن مجرّد الكذب ليس فجورا . وقوله : " لا يعدنّ أحدكم صبيّه ثمّ لا يفي له " لا بدّ أن يراد به النهي عن الوعد مع إضمار ( 741 ) عدم الوفاء ، وهو المراد ظاهرا بقوله تعالى :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
19 بل الظاهر عدم كونه كذبا حقيقيّا ( 742 ) ، وأنّ إطلاق الكذب عليه في الرواية ( 743 ) لكونه في حكمه من حيث
شرح
740 . يمكن أن يقال : إنّه أجنبيّ عن الدلالة على ما ذكره ، وإنّما المقصود منه دفع اشتباه الراوي في تفسير الكذّاب ، وتوهّم أنّه بمعنى الكاذب ، وإنّما معنى الكذّاب ما ذكره الإمام عليه السّلام ، فتأمّل .
741 . حتّى يصدق عليه الكذب ، كما هو قضيّة تعليل النهي عنه بقوله : « إنّ الكذب » حيث إنّ مقتضاه كون الوعد المنهي عنه من مصاديق الكذب ، ولا يكون الوعد كذلك إلّا أن يراد منه ما ذكر ، لما يذكره من أنّ خلف الوعد وترك العمل به في محلّه مع عدم إضمار عدم الوفاء به حين الوعد ليس من الكذب .
742 . هذا إضراب عمّا يفيده قوله : « لا بدّ أن يراد به النهي عن الوعد مع إضمار . . . » ، من كون الوعد حينئذ كذبا حقيقيّا . يعني : أنّ الظاهر عدم كون الوعد مع إرادة ما ذكر منه كذبا حقيقيّا ، وأنّ إطلاق الكذب عليه في قوله : « إنّ الكذب يهدي إلى الفجور . . . » لكونه في حكمه من حيث الحرمة .
743 . الظاهر شمول الكذب للالتزام بفعل خبر في حقّ الغير - وهو الوعد - فيما إذا أضمر عدم الوفاء به في موطنه ، وصدقه عليه حقيقة لا حكما ، لأنّ الكذب عبارة عن إظهار ما لا واقعيّة له بأيّ شيء كان ، وإن لم يكن من قبيل الإخبار ، بل كان من قبيل الإنشاء والالتزام ، فيعمّ غير القول أيضا من الفعل والإشارة والكتابة . ويدلّ على ذلك إطلاق الكذب على الوعد مع عدم إرادة عدم الوفاء به فيما سيأتي نقله بعد ورقة من رواية عيسى بن حنان عن