وكذلك النصح من غير استشارة ، فإنّ من أراد تزويج امرأة ( 682 ) وأنت تعلم بقبائحها التي توجب وقوع الرجل من أجلها في الغيبة والفساد ، فلا ريب أنّ التنبيه على بعضها - وإن أوجب الوقيعة فيها - أولى من ترك نصح المؤمن ، مع ظهور عدّة من الأخبار في وجوبه .
ومنها : الاستفتاء ، بأن يقول للمفتي : " ظلمني فلان حقّي ، فكيف طريقي في الخلاص ؟ " هذا إذا كان الاستفتاء موقوفا على ذكر الظالم بالخصوص وإلّا فلا يجوز .
ويمكن الاستدلال عليه ( 683 ) بحكاية هند زوجة أبي سفيان واشتكائها إلى
شرح
682 . قال في أحكام الخطبة من نكاح التذكرة ما هذا لفظه : « مسألة : لو خطب رجل جاز لغيره مع عدم الإجابة والردّ الإشارة به أو بغيره بذكر مساويه بالحقّ ، فإنّ فاطمة بنت قيس لمّا طلّقها زوجها فبتّ طلاقها فأمرها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أن تعتدّ في بيت ابن أمّ مكتوم ، وقال لها :
إذا حللت فأذنيني . فلمّا حلّت أخبرته أنّ معاوية وأباجهم خطباها . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : أمّا معاوية فصعلوك لا مال له ، وأمّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، انكحي اسامة . فقد تعرّض صلّى اللّه عليه وآله بما يكرهه الخاطبان . ومعاوية الذي خطبها هو ابن أبي سفيان . وقيل : غيره . والمشهور الأوّل .
وتأوّل أبو بكر الصيرفي قوله صلّى اللّه عليه وآله : « لا يضع عصاه عن عاتقه » بأنّه كناية عن كثرة الجماع . وهو خطأ ، لبعد اطّلاع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على هذه الحالة من غيره . ثمّ إنّه مستبعد عن خلقه صلّى اللّه عليه وآله وحسن أدبه ، مع أنّ المرأة لا ترغب عن الخاطب بذلك ، بل هو داع لها إلى الإجابة .
وليس هذا من الغيبة المحرّمة ، فإنّ الغيبة المحرّمة التفكّه بذكر مثالب الناس ، وإضحاك الناس بها ، وهتك أستارهم ، وذكر مساوي الإنسان عند عدوّه متقرّبا إليه ، وأشباه ذلك من الأغراض الفاسدة ، فأمّا إذا أراد نصح الغير فلا بأس . قال عليه السّلام : « إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح » انته كلامه زيد في علوّ مقامه .
يمكن أن يقال : أنّ تعرّضه بما ذكر إنّما هو لأجل خروج مثل ذلك عن موضوع الغيبة ، إمّا لعدم كونهما عيبا أصلا ، وإمّا لأنّهما من العيوب الظاهرة ، والمعتبر في موضوعها كون المقول في المغتاب - بالفتح - عيبا ومستورا ، لا لأجل خروجه عن حكمها لأجل دليل خارج مخصّص .
683 . الأولى الاستدلال عليه بأدلّة جواز تظلّم المظلوم ، لأنّه من أفراده ، فتأمّل ، لإمكان المناقشة في الاستدلال بما ذكره . أمّا في حكاية هند فلخروجه عن موضوع الغيبة لوجهين .