لأنّه اعتبر قصد الانتقاص والذمّ ، إلّا أن يراد اعتبار ذلك فيما يقع على وجهين ، دون ما لا يقع إلّا على وجه واحد ؛ فإنّ قصد ما لا ينفكّ عن الانتقاص ، قصد له .
وإن كان المقول نقصا ظاهرا للسامع ، فإن لم يقصد القائل الذمّ ولم يكن الوصف من الأوصاف المشعرة بالذمّ نظير الألقاب المشعرة به ، فالظاهر أنّه خارج عن الغيبة ؛ لعدم حصول كراهة للمقول فيه لا من حيث الإظهار ، ولا من حيث ذمّ المتكلم ، ولا من حيث الإشعار .
وإن كان من الأوصاف المشعرة بالذمّ أو قصد المتكلّم التعيير والمذمّة بوجوده « * » ، فلا إشكال في حرمة الثاني ، بل وكذا الأوّل ؛ لعموم ما دلّ على حرمة إيذاء المؤمن وإهانته ( 625 ) وحرمة التنابز بالألقاب وحرمة تعيير المؤمن على صدور معصية منه ، فضلا عن غيرها ؛ ففي عدّة من الأخبار : " من عيّر ( 626 ) مؤمنا على معصية لم يمت حتّى يرتكبه " 29 . وإنّما الكلام في كونهما من الغيبة ؛ فإنّ ظاهر المستفيضة المتقدّمة عدم كونهما منها ، وظاهر ما عداها من الأخبار المتقدّمة بناء على إرجاع الكراهة فيها إلى كراهة الكلام الذي يذكر به الغير ، وكذلك كلام أهل اللغة عدا الصحاح على بعض احتمالاته : كونهما غيبة .
والعمل بالمستفيضة لا يخلو عن قوّة ، وإن كان ظاهر الأكثر خلافه ؛ فيكون ذكر الشخص بالعيوب الظاهرة الذي لا يفيد السامع اطّلاعا لم يعلمه ، ولا يعلمه عادة من غير خبر مخبر - ليس غيبة ( 627 ) ،
شرح
625 . في عمومه للأوّل منع ، لمنع صدق هذه العناوين على مجرّد ذكر الشخص بالأوصاف المشعرة بالذمّ من دون قصد إلى تحقّقها ، كما هو مورد الكلام . نعم ، هو يستلزمها ، ومجرّد ذلك لا يكفي في الحرمة ، كما مرّ نظيره في التشبيب . ولعلّ الوجه فيه على ما كتبه بعض الأعلام في تلك المسألة : أنّ عمومات حلّ الانتفاعات وسلطنة الناس على أنفسهم جواز كلّ عمل يشتهيه وينتفع به وإن استلزم ذلك إيذاء للغير وإضرارا له ، ما لم يقصد من فعله الإيذاء والإضرار وإلّا لحرم ، كما يدلّ عليه رواية سمرة بن جندب .
626 . دلالة هذا النحو من الأخبار على الحرمة غير معلومة .
627 . الظاهر « الذي لا يفيد » بدل « التي لا تفيد » و « ليس » بدل « ليست » . ولو قال
هامش
( * ) في بعض النسخ : لوجوده .