. . . . . . . . . .
شرح
يقتضيه عطف « تغنّوا » على « تباكوا » فإنّا نعمله في القرآن وهو لا يعمله .
ثمّ لا يخفى أنّ ما استظهره في اسم الكتاب اشتباه نشأ من الغفلة عن اسم الكتاب : غرر الفوائد ودرر القلائد . وإنّما حذف المضاف إليه في الموضعين وعوّض عنه باللام للاختصار ، فقيل :
الغرر والدرر . وفي الكافي في باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن أورد أكثر الأخبار المذكورة .
وأنت تعلم طريقة القدماء .
وحينئذ نقول : يمكن الجمع بين هذه الأخبار والأخبار الكثيرة الدالّة على تحريم الغناء بوجهين :
أحدهما : تخصيص تلك الأخبار بما عدا القرآن ، وحمل ما يدلّ على ذمّ التغنّي بالقرآن على قراءة تكون على سبيل اللهو كما يصنعه الفساق في غنائهم .
وثانيهما أن يقال : المذكور في تلك الأخبار الغناء ، والمفرد المعرف باللام لا يدلّ على العموم لغة ، وعمومه إنّما يستنبط من حيث إنّه لا قرينة على إرادة الخاصّ ، وإرادة بعض الأفراد من غير تعيين ينافي غرض الإفادة وسياق البيان والحكمة ، فلا بدّ من حمله على الاستغراق . والعموم هاهنا ليس كذلك - أي : من حيث إنّه لا قرينة على إرادة الخاصّ - لوجود ما يصلح أن يكون على إرادة خصوص ما كان متعارفا في زمان صدور الأخبار ، أعني من القرينة شيوع ذلك وعلّته ، لأنّ الشايع في ذلك الزمان الغناء على سبيل اللهو من الجواري المغنّيات وغيرهنّ في مجالس الفجور والخمور وغيرها ، فحمل المفرد على تلك الأفراد الشايعة في ذلك الزمان غير بعيد . وفي عدّة من تلك الأخبار إشعار بكونه لهوا باطلا ، وصدق ذلك في القرآن والدعوات والمقروّة بالأصوات الطيّبة المذكّرة للآخرة والمهيّجة للأشواق إلى عالم القدس محلّ تأمّل . فإذا إن ثبت إجماع في غير الغناء على سبيل اللهو كان متّبعا ، وإلّا بقي حكمه على أصل الإباحة . وطريق الاحتياط واضح .
والمشهور بين الأصحاب استثناء الحداء ، وهو سوق الإبل بالغناء لها . ولا أعلم حجّة عليه إلّا أن يقال بعدم شمول أدلّة المنع له . واختلفوا في فعل المرأة له في الأعراس إذا لم تتكلّم بالباطل ، ولم تعمل بالملاهي ، ولم تسمع صوتها الأجانب من الرجال . فأباحه جماعة منهم الشيخان ، وكرهه القاضي . وذهب جماعة منهم ابن إدريس والعلّامة إلى التحريم ، استنادا إلى أخبار مطلقة . ووجوب الجمع بينها وبين الصحيح الدالّ على الجواز يقتضي المصير إلى الأوّل .