يمكن بوجهين : أحدهما - تخصيص تلك الأخبار الواردة المانعة بما عدا القرآن ، وحمل ما يدلّ على ذم التغنّي بالقرآن على قراءة تكون على سبيل اللهو كما يصنعه الفساق في غنائهم ويؤيّده رواية عبد اللّه بن سنان المذكورة : " اقرأوا القرآن بألحان العرب ، وإيّاكم
و
شرح
يدلّ على جوازه بل استحبابه في القرآن ، بناء على دلالة الروايات على جواز حسن الصوت والتحزين والترجيع في القرآن بل استحبابه . والظاهر أنّ شيئا منها لا يوجد بدون الغناء ، على ما استفيد من كلام أهل اللغة وغيرهم ، وفصّلناه في بعض رسائلنا . ففي مرسلة ابن أبي عمير عن الصادق عليه السّلام : « أنّ القرآن نزل بالحزن فاقرأه بالحزن » .
وقال السيّد سبط الجزائري قدس سرّه في كشف الغطاء : « لعلّ معنى نزول القرآن بالحزن كون جبرئيل عليه السّلام حزينا عند نزوله » . روى عليّ بن إبراهيم عن الصادق عليه السّلام قال : « ما أتى جبرئيل إلّا كئيبا حزينا ، ولم يزل كذلك منذ أهلك اللّه فرعون ، فلمّا أمر اللّه سبحانه وتعالى بنزولآلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ . . .الآيات نزل عليه السّلام وهو ضاحك مستبشر . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : ما أتيتني إلّا تبيّنت الحزن في وجهك إلّا هذه الساعة . قال : نعم يا محمّد لمّا غرّق اللّه فرعون قال : آمنت أنّه لا إله إلّا اللّه الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ، فأخذت حمأة فوضعتها في فمه ثمّ قلت له : الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ، وعملت ذلك من غير إذن اللّه ، ثمّ خفت أن تلحقه الرحمة من اللّه عزّ وجلّ ويعذّبني اللّه بما فعلت ، فلمّا كان الآن وأمرني أن أؤدّي إليك ما قلت أنا لفرعون آمنت وعلمت أنّ ذلك كان للّه رضى » انته موضع الحاجة .
وفيه : أنّه يعارضه رواية أخرى لعليّ بن إبراهيم نقلها بعد الرواية السابقة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : « قلت له يا ابن رسول اللّه خوّفني ، فإنّ قلبي قد قسا . فقال : يا محمّد استعدّ للحياة الطويلة ، فإنّ جبرئيل جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وهو قاطب ، وقد كان قبل ذلك يجيء وهو متبسّم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : يا جبرئيل جئتني اليوم قاطبا . قال : يا محمّد وضعت منافخ النار . فقال : وما منافخ النار يا جبرئيل ؟ فقال : يا محمّد إنّ اللّه أمر بالنار فنفخ عليها ألف عام حتّى ابيضّت » الخبر . فإنّ قوله : « وقد كان يجيء قبل ذلك وهو متبسّم » مناف لقوله في الرواية الأولى : « ما أتى جبرئيل إلّا كئيبا حزينا . . . » . فيمكن أن يكون الوجه فيه ما كان يعتريه عليه صلّى اللّه عليه وآله حين نزول الوحي من الحال ، فإنّه لا يكون إلّا مع الخوف ممّا كان يشاهده من عظمته سبحانه وتعالى ، وهو يوجب الحزن ، فتأمّل وتدبّر .