ثمّ إنّ المرجع في " اللهو " إلى العرف والحاكم بتحقّقه هو الوجدان ؛ حيث يجد الصوت المذكور مناسبا لبعض آلات اللهو وللرقص « * » ، ولحضور ما تستلذّه القوى الشهويّة من كون المغنيّ جارية أو أمردا ونحو ذلك ، ومراتب الوجدان المذكور مختلفة في الوضوح والخفاء ، فقد يحس « * * » بعض ( 563 ) الترجيع من مبادئ الغناء ولم يبلغه .
وظهر ممّا ذكرنا أنّه لا فرق بين استعمال هذه الكيفيّة في كلام حقّ أو باطل ، فقرائة القرآن والدعاء والمراثي بصوت يرجّع فيه على سبيل اللهو لا إشكال في حرمتها ولا في تضاعف عقابها ؛ لكونها معصية في مقام الطاعة واستخفافا بالمقروّ والمدعوّ والمرثي . ومن أوضح تسويلات الشيطان أنّ الرجل المتسترّ قد تدعوه نفسه لأجل التفرّج والتنزّه والتلذّذ إلى ما يوجب نشاطه ورفع الكسالة عنه من الزمزمة الملهيّة ( 564 ) ، فيجعل ذلك في بيت من الشعر المنظوم في الحكم والمراثي ونحوها ، فيتغنّي به ،
شرح
للأصوات كما سيجيء - إن كان مساويا للصوت اللهوي والباطل كما هو الأقوى » وقوله :
« مع أنّ الظاهر أن ليس الغناء إلّا هو » وجعل أعمّيته وأخصّيته منه فرضا محضا قبيل ذلك في قوله : « فكلّ صوت . . . » ، ينتج أنّ كون الصوت غناء أو غيره يمكن أن يكون بالنّية ، ويختلف حاله باختلافها . وهو أمر عجيب إلى النهاية ، ألا ترى أنّه لو سئل أهل اللسان والعقلاء عن حال صوت ليس يلهو في نفسه أنّه هل هو من أفراد الغناء أم لا ؟ لما أجابوا بأنّه إن قصد الالتهاء به فهو غناء وإلّا فلا ، بل يضحكون على من أجاب بذلك .
563 . يعني : فقد يحسّ بعض أرباب الوجدان الترجيع الخاصّ من مبادئ الغناء غير بالغ إلى حدّه ، وهو مرتبة اللهويّة بالمعنى المذكور ، مع أنّه غناء بالغ حدّ الغناء عند البعض الآخر . وبالجملة ، العبارة محتاجة إلى تتمّة لم يذكرها لمعلوميّتها ، وهو قوله : ويحسّه بعض آخر نفسه ، أي : نفس الغناء .
564 . الزمزمة هي التصوّت في الحلق والخيشوم بلا استعمال اللسان والشفة . والمراد منها هنا - بقرينة قوله : « ويجعل ذلك - أي الزمزمة - في بيت من الشعر . . . » - هو الصوت المجرّد عن قيد عدم استعمال اللسان والشفة .
هامش
( * ) في بعض النسخ : والرقص .
( * * ) في بعض النسخ : يحسب .