بناء على أنّه من إضافة الصفة إلى الموصوف ، فيختصّ الغناء المحرّم بما كان مشتملا على الكلام الباطل ، فلا تدلّ على حرمة نفس الكيفيّة ولو لم يكن في كلام باطل . ومنه تظهر الخدشة في الطائفة الثالثة ، حيث إنّ مشاهد الزور التي مدح اللّه تعالى من لا يشهدها : هي مجالس التغنّي بالأباطيل من الكلام ( 518 ) .
فالإنصاف ، أنّها لا تدلّ على حرمة نفس الكيفيّة إلّا من حيث إشعار " لهو الحديث " بكون
شرح
هذا ، ولكن لا يخفى أنّ هذا أيضا لا يدلّ - ولا يشعر - على ما اختاره وأصرّ عليه - كما سيجيء - من كون الغناء حراما لأجل كونه لهوا وانطباقه عليه حتّى يترتّب عليه حرمة مطلق الصوت اللهوي ، وذلك لأنّ المراد من اللهو في الآية بقرينة قوله : « ليضلّ الناس عن سبيل اللّه » هو اللهو المضلّ المخرج للإنسان عن طاعة اللّه الموجب لمعصيته ولو شأنا ، ولو كان ذلك الخروج بنفس الاشتغال بذلك اللهو بأن يكون حراما شرعا ، وكون مطلق الصوت اللهوي كذلك أوّل الكلام . ولو أريد إثبات حرمته بتلك الآية بضميمة الأخبار المفسّرة له لدار ، كما هو واضح جدّا .
وبالجملة ، غاية ما يستفاد من ذلك أنّ الغناء لهو مضلّ ، ومشتريه لأجل الإضلال مذموم ، وأين هذا من الدلالة أو الإشعار بحرمة مطلق الصوت اللهوي ، فتأمّل جيّدا .
518 . دعوى حصر المشاهد بذلك ممّا لا دليل عليه ، لا من نفس عنوان الزور المفسّر بالغناء كما في لهو الحديث وقول الزور ، فإنّهما - على ما تقدّم في بيان وجه الخدشة فيهما - يصلح كلّ منهما لأن يكون قرينة على التصرّف والتأويل في الغناء في الأخبار المفسّرة بخلاف الزور ، ولا من الخارج وإن ادّعاه بعض المحشّين .
نعم ، يمكن الخدشة في أصل دلالته على الحرمة ، لإمكان كونه مكروها ، بل هو أبلغ في المدح ، كما أنّ مدحهم فيما قبل تلك الآية على عدم إسرافهم وعدم إقتارهم في الإنفاق لا يدلّ على وجوب التوسّط في الإنفاق وحرمة الإقتار ، ومدحهم على قول السّلام إذا خاطبهم الجاهلون لا يدلّ على وجوب قول السّلام .
وكيف كان ، فذكر المشاهد - مع أنّه لم يذكر في الآية منه اسم ولا رسم - إنّما هو من أجل استفادتها من « يشهدون » بمعنى : يحضرون ، لأنّ الحضور لا بدّ من محضر .