وكأنّ الصدوق رحمه اللّه في العلل أشار إلى هذه الرواية ( 467 ) ، حيث قال : " روي أنّ توبة الساحر أن يحلّ ولا يعقد " 50 . وظاهر المقابلة بين الحلّ والعقد في الجواز والعدم كون كلّ منهما بالسحر ، فحمل " الحلّ " على ما كان بغير السحر من الدعاء والآيات ونحوهما كما عن بعض لا يخلو عن بعد .
ومنها : ما عن العسكري عن آبائه عليهم السّلام في قوله تعالى ؛
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ
قال : " كان بعد نوح قد كثرت السحرة والمموّهون ، فبعث اللّه ملكين إلى نبيّ ذلك الزمان بذكر ما يسحر به السحرة ، وذكر ما يبطل به سحرهم ويردّ به كيدهم ، فتلقّاه النبيّ عن الملكين وأدّاه إلى عباد اللّه بأمر اللّه ، وأمرهم أن يقضوا به على السحر وأن يبطلوه ، ونهاهم عن أن يسحروا به الناس . وهذا كما يقال : إنّ السم ما هو ؟
وإنّ ما يدفع به غائلة السم ما هو ، ثمّ يقال للمتعلّم : هذا السم فمن رأيته سمّ فادفع غائلته بهذا ، ولا تقتل بالسم - إلى أن قال - : وما يعلّمان من أحد ، ذلك السحر وإبطاله حتّى يقولا للمتعلّم : إنّما نحن فتنة وامتحان للعباد ، ليطيعوا اللّه فيما يتعلّمون من هذا ويبطلوا به كيد السحرة ولا يسحروهم ، فلا تكفر باستعمال هذا السحر وطلب الإضرار ودعاء الناس إلى أن يعتقدوا أنّك تحيي وتميت وتفعل ما لا يقدر عليه إلّا اللّه عزّ وجلّ ؛ فإنّ ذلك كفر - إلى أن قال - :
وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ،
لأنّهم إذا تعلّموا ذلك السحر ليسحروا به ويضرّوا به ، فقد تعلّموا ما يضرّ بدينهم ولا ينفعهم . . . الحديث " 51 .
شرح
467 . هذا مبني على أن يكون معنى الرواية : فهل لي في شيء مخرج من ذلك ؟ أي :
طريق الخروج والنجاة من عقاب ذلك العمل ، أي : السحر الذي كنت أعمله وآخذ الأجر عليه . فأجابه عليه السّلام : « حلّ ولا تعقد » . يعني : أنّ حلّك بالسحر شيء فيه المخرج منه ، وأنّه ينجيك من العذاب . وفيه تأمّل أو منع ، إذ يمكن أن يكون المعنى أنّه : هل لي في شيء من السحر الذي تركته فعلا مخرج عن الحرام حتّى أعمل السحر بذلك النحو أم لا ، بل جميع أقسامه حرام ؟ فأجابه عليه السّلام : بأنّ ما يحلّ به حلال وما يعقد به حرام . وبعد ملاحظة أنّ الظاهر من الحلّ والعقد هو المثال للنفع والضرر ، يكون الجواب أنّ السحر على قسمين : قسم حلال وهو السحر النافع ، وقسم حرام وهو السحر المضرّ . وعلى هذا ، لا ربط بما أرسله الصدوق حتّى يكون نظره هو الإشارة إليه .