فهذه شهادة من هؤلاء على عدم عموم لفظ " السحر " لجميع ما تقدّم من الأقسام ، وتقديم شهادة الإثبات لا يجري في هذا الموضع ؛ لأنّ الظاهر استناد المثبتين إلى الاستعمال ، والنافين إلى الاطّلاع على كون الاستعمال مجازا للمناسبة . والأحوط الاجتناب عن جميع ما تقدّم من الأقسام في البحار ، بل لعلّه لا يخلو عن قوة ؛ لقوة الظنّ من خبر الاحتجاج وغيره ( 465 ) .
بقي الكلام في جواز دفع ضرر السحر بالسحر ، ويمكن أن يستدلّ له مضافا إلى الأصل - بعد دعوى انصراف الأدلّة إلى غير ما قصد به غرض راجح شرعا - بالأخبار :
منها : ما تقدّم في خبر الاحتجاج ( 466 ) . ومنها : ما في الكافي عن القمّي عن أبيه عن شيخ من أصحابنا الكوفيين ، " قال : دخل عيسى بن شفقي على أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : جعلت فداك ! أنا رجل كانت صناعتي السحر ، وكنت آخذ عليه الأجر وكان معاشي وقد حججت منه ، وقد منّ اللّه عليّ بلقائك وقد تبت إلى اللّه عزّ وجلّ من ذلك ، فهل لي في شيء من ذلك مخرج ؟
فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : حلّ ولا تعقد " 49 .
شرح
465 . لم يذكر في خبر الاحتجاج جميع ما ذكره في البحار من الأقسام . واستفادة جميعها ممّا ذكر في الاحتجاج من الأنواع الثلاثة المذكورة في الأوّل والنميمة المذكورة أخيرا في غاية الصعوبة ، فلا يفيد في وجوب الاجتناب عن جميعها لو سلّمنا اعتبار الظنّ الحاصل من الخبر الضعيف السند إن لم يبلغ مرتبة الاطمئنان . مع أنّه غير مسلّم سواء أريد الظنّ بالموضوع أو الحكم ، مضافا في الأوّل إلى منع الكبرى أيضا ، وهو حرمة كلّ سحر . وكيف كان ، فالظاهر أنّ المراد من الغير شهادة الفاضل المقداد والمجلسي قدس سرّهما بدخول ما تقدّم من الأقسام في السحر .
466 . نظره في ذلك إلى قول الملكين : فلا تأخذوا ما يضرّكم ولا ينفعكم ، حيث إنّه من جهة تخصيص النهي عن الأخذ بالمضرّ يدلّ على جواز أخذ النافع ، بل غير المضرّ مطلقا ولو لم ينفع .
وقد يقال إنّ نظره فيه إلى قوله : « فأقرب أقاويل السحر إلى الصواب . . . » . وفيه : منع دلالته على جواز السحر النافع ، لإمكان إرادة الأقربيّة إلى الصواب من الغير مع حرمته أيضا .
فلا بدّ في دلالته على الجواز من ملاحظة الفقرة المذكورة ، ومعها لا حاجة إلى ذلك .