وما أفاده رحمه اللّه أوّلا من الاعتراف بعدم بطلان كون الحركات الفلكية أمارات وعلامات ، وآخرا من عدم النفع في علم النجوم إلّا مع الإحاطة التامّة هو الذي صرّح به الإمام الصادق عليه السّلام في رواية هشام الآتية بقوله : " إنّ أصل الحساب حقّ ، ولكن لا يعلم ذلك إلّا من علم مواليد الخلق " ( 344 ) .
ويدلّ أيضا على كلّ من الأمرين ( 345 ) الأخبار المتكثّرة ، فما يدلّ على الأوّل وهو ثبوت الدلالة والعلامة « * » في الجملة - مضافا إلى ما تقدّم من رواية سعد المنجّم المحمولة بعد الصرف عن ظاهرها الدالّ على سببية طلوع الكواكب لهيجان الإبل والبقر والكلاب : على كونه أمارة وعلامة عليه - المرويّ في الاحتجاج عن رواية الدهقان المنجّم الذي استقبل أمير المؤمنين حين خروجه إلى نهروان ، فقال له عليه السّلام : " يومك هذا يوم صعب ، قد انقلب منه كوكب ، وانقدح من برجك النيران ، وليس لك الحرب بمكان " ، فقال عليه السّلام له :
" أيّها الدهقان المنبئ عن الآثار ، المحذّر عن الأقدار " ، ثمّ سأله عن مسائل كثيرة من النجوم ، فاعترف الدهقان بجهلها إلى أن قال عليه السّلام له : أمّا قولك : " انقدح من برجك النيران ، فكان الواجب أن تحكم به لي ، لا عليّ ، أمّا نوره وضيائه فعندي ، وأمّا حريقه ولهبه فذهب عنّي ، فهذه مسألة عميقة ، فاحسبها إن كنت حاسبا " 32 .
وفي رواية أخرى : أنّه عليه السّلام قال له : " احسبها إن كنت عالما بالأكوار والأدوار ، قال :
لو علمت هذا لعلمت ( 346 ) أنّك تحصي عقود القصب في هذه الأجمة " ، وفي الرواية الآتية لعبد الرحمن بن سيابة : " هذا حساب إذا حسبه الرجل ووقف عليه عرف القصبة التي في وسط الأجمة وعدد ما عن يمينها وعدد ما عن يسارها وعدد ما خلفها وعدد ما أمامها ، حتّى لا يخفى عليه شئ من قصب الأجمة واحدة " .
شرح
344 . مواليد جمع مولود . ولعلّه عليه السّلام أشار بذلك إلى قوله سبحانه وتعالى :وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ .345 . يعني : على كونها علامات وعدم النفع فيها بدون الإحاطة التامّة الموجبة لكثرة الخطاء .
346 . الأوّل بصيغة الخطاب ، والثاني بصيغة التكلّم . وهذا إشار إلى الأكوار والأدوار . والأكوار جمع كور . والعطف للتقيّة . يقال : أكار العمامة أي : أدار على رأسها .
هامش
( * ) في بعض النسخ : العلامية .