الجدل والبرهان وغير هما وتميز بعضها عن بعض ، جزء لهذا العلم ولولا ذلك ، لاحتجنا إلى علم تعصم مراعاته الفكر عن الخطاء في المواد إذ ادعاء الضروري في مناسبة المبادى للمطالب كلها دونه خرط القتاد ، فعلم المنطق متكفل بالعصمة عن كل من المادة والصورة .
والقول : بأنه متكفل بمعرفة الخطاء في الصورة فقط واما المادة ، فمادة كل قضية انما يعلم من العلم الباحث عنها ، من أفحش الأغلاط والاستدلال على ذلك بأنه لو كان المنطق عاصما عن الخطاء من جهة المادة لما وقع بين المحققين العارفين به اختلاف مع انا نرى انّهم اختلفوا في مثل ان تفريع ماء كوز إلى كوزين هل هو اعدام لشخصه واحداث لشخصين آخرين أم لا بل الشخص الأول باق وانّما انعدمت صفة من صفاته وهو الاتصال وادعى كل من الفريقين البداهة في مطلوبه ، من أوضح المزخرفات ، إذ العاصم عن الخطاء انما هو مراعاة المنطق لا نفسه فسبب اختلاف أفكار العلماء في انظار هم هو عدم مراعاتهم المنطق حق المراعاة وان شئت اوضحك هذا بالمثال فنقول :
قد وقع الخلاف بين العقلاء في ان العالم قديم أم لا ؟ واستدلّوا على الأول : ان العالم معلول للواجب تعالى وكل معلول للواجب قديم فالعالم قديم ، ومعلوم ان كبراهم هذه ، في حيز المنع ومن العيان الغنى عن البيان ان البديهي لا يقبل المنع فخطاهم من جهة حكمهم بالمقدمات الظنية بأنها برهان بسبب غفلتهم عما قرر في المنطق من أن البرهان لا بد ان يكون مقدماته ضرورية يقينية ، هذا . نعم الذي يستفاد من المنطق هو : كون الحيوان جنسا للانسان مثلا والناطق فصلا له وكون مادة حدوث العالم هو : العالم متغير وكل متغير حادث فالعالم حادث ، واما العلم بطريق الكلية بان الجنس هو : الذاتي المشترك والفصل هو : الذاتي المختص فإنما يستفاد من المنطق ولكن بعد العلم بهذه القاعدة ان نتفحص في ذاتيات الانسان وعوارضه فنجعل ما وجدناه ذاتيا مشتركا أو مختصا صغرى فنقول : الحيوان مثلا ذاتي مشترك وكل ما هو كذلك جنس ينتج : ان الحيوان جنس وكذلك حكم الناطق وهكذا الكلام في التصديق فانا لما استفدنا من هذا الفن ان البرهان مثلا لا بد ان يكون مقدماته بديهية ، فلنا ان نتجسس مقدمات حدوث العالم مثلا فنجعل ما وجدناه من المقدمات اليقينية صغرى فنقول : هاتان المقدمتان يقينيتان وكل مقدمتين كذلك فهو برهان ينتج : ان هاتين المقدمتين برهان وانما ارخينا عنان القلم في هذا المقام ، لأنه من مزال الاقدام واليه ولى التوفيق وبه الاعتصام . ( عبد الرحيم ) ( 2 ) لا يخفى ما فيه فإنه يدل على أن المغالطة أيضا مشتملة على الجزم الغير اليقيني لكنها لم يعتبر فيها عموم الاعتراف من العامة ولا التسليم من الخصم وهو بظاهره باطل ، لأنها اما ان تتألف من الوهميات أو المشبهات ولا جزم في واحد منهما اللهم الا ان يقال : انها تخرج مخرج الجازم وان لم يكن مطابقا للواقع وكيف كان ، فالأولى في ضبط الصناعات ان يقال : ان المقدمات المرتبة اما أن تكون مشتملة على الحكم والتصديق أم لا ، الثاني « القياس الشعرى » والأول اما ان يكون البحث عنها من حيث الاحتراز عنها أولا الأول هو « المغالطة » و « السفسطى » الثاني اما ان يكون الحكم فيها جازما أو مظنونا الثاني هو « القياس الخطابي » والأول اما ان يكون مع اليقين فهو « القياس البرهاني » أولا فهو « الجدلي » .
ثم لا يخفى : ان ذلك الحصر ليس بعقلي بل استقرائي فان ما لم يشتمل على الحكم والتصديق أعم من أن يشتمل على التخييل أو غيره كما هو ظاهر . ( محمد على )
الحاشيه على تهذيب المنطق للتفتازاني — صفحة 378
مساهمون: عبد الله بن شهاب الدين الحسين اليزدي
ص٣٧٨