ثم لا يخفى انه : يمكن ان يقال : ان الآية نزلت على طريقة قوله تعالى :
« وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى »
فكما جعل الرمي الصادر عن النبي ( ص ) كأنه غير صادر عنه بل عن اللّه تبارك وتعالى لكون اثره خارجا عن طوق البشر فقيل : وما رميت إذ رميت ، فكذلك هنا جعل الهداية الصادرة عنه ( ص ) كانّها غير صادرة عنه ( ص ) بل عن اللّه تبارك وتعالى .
فالأولى ان يذكر النقض بقوله تعالى :
« . . . وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ »
فتأمل . ( محمد على ) ( 30 ) قوله فان النبي كان شأنه إراءة الطريق : طبعا من مقام نبوته فكيف يصدق في حقه « انك لا تهدى من أحببت » ؟
اى : لا ترى الطريق لمن تحب ، نعم تصح الآية في حقه إذا كان معناه لا توصل إلى الحق من أحببت ايصاله .
فإنه قد تكون هناك موانع تقف بك في مقام ايصالك لمحبوبك إلى صميم الحق في وسط الطريق وتعجزك عن الوصول . فالآية الأولى نقض على المعنى الأول والآية الثانية نقض على المعنى الثاني وإذا كان لفظ الهداية مشتركا بين الايصال والاراءة يكون معنى « فهديناهم » في الآية الأولى : أريناهم الطريق الموصل إلى الحق فلم يسلكوه وبقوا تائهين تعمدا ويكون معنى « لا تهدى من أحببت » لا توصل من أحببت إلى الحق وان كنت تقدر على الاراءة وتقوم بواجبها مع كافة الناس . ( التقريب ص 7 ) ( 31 ) قوله والذي يفهم من المصنف ( ره ) : قال المصنف في تلك الحاشية : لا كلام في مجىء هديته الطريق وهديته للطريق وهديته إلى الطريق ، وقد يفرق بينها بان معنى الأول : الاذهاب إلى المقصد والايصال اليه ولهذا يسند إلى اللّه خاصة ومعنى الثاني : الدلالة وإراءة الطريق ، فيسند إلى النبي ( ص ) مثل انك لتهدى إلى صراط مستقيم ، وإلى القرآن مثل ان هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم .
انتهى .
وأقول : ما ذكره من الفرق مردود بقوله تعالى :
« إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً »
لما روى عن الصادق ( ع ) : ان المعنى : عرّفناه اما آخذا واما تاركا ولان الكفران والضلالة لا يتصور بعد الوصول والهداية كما سبق اليه الإشارة .
واما قوله تعالى :
« وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ »
فقيل : انه أيضا يكون ردا ، لأنه ورد في معرض الامتنان ولا يمن بالايصال إلى الشر ، فان المراد من النجدين طريق الخير وطريق الشر كما وردت عليه الرواية .
والحق انه لا رد فيه لجواز ان يقال : ان المراد من النجدين الثديان كما يدل عليه ما قبله : « ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين » . وورد عليه أيضا الرواية .
وقوله انها بالاستعمال الأول يخص بالله تعالى منقوض بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ( ع ) :
« فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا »
وبقوله تعالى :
« وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ »
وبقوله تعالى :
« قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ »
.
ودعوى ان أمثال ذلك من قبيل قوله تعالى :
« وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ . . . »
مردودة ، بكونه على خلاف الأصل ولو سلم فيلدعى ذلك في جميع المواضع كما ادعاه الزمخشري ، فلا يكون الهداية على هذا للايصال أصلا فافهم .