المجرّدة عن المادة فإنّها يجب أن تدرك ذواتها ، وإلّا لكان وجودها لغيرها ، وكلّ محجوب عن ذاته فلمقارنته المادّة غير مدرك ذاته ، ويشهد بهذا أنّ القوى الحسيّة كالبصر واللّمس والذوق لا يدرك ذواتها .
ثمّ قال في الفصل الذي لبيان العقل والمعقول : إذ قد علمت أنّ معقوليّة الشيء ووجوده من حيث هو معقول واحد فإذا كان وجوده لغيره كان معقولا له ، وإذا كان وجوده لذاته فهو معقول ذاته ، وأقوى الموجودات هو الموجود المستغني عن الماهيّة وأضعف الموجودات ما حقيقته القوّة ، وهذا هو الهيولى ، فما وجوده أقوى الموجودات فهو أقوى في باب العقول ( المعقولية خ ) . انتهى . « 7 » أقول : قوله : وأضعف الموجودات ما حقيقته القوّة إشارة إلى لمّيّة كون الهيولى غير عالمة بذاتها ، فإنّ العلم ليس إلّا الظهور والانكشاف ، وليس للهيولي وجود بالفعل في حدّ ذاتها ، فليس لها ظهور وانكشاف لذاتها ، إذ الظهور والانكشاف ليس إلّا للموجود . وبذلك يندفع اعتراض الإشراقيّين على قول المشّائين : من أنّ التعقّل حضور الماهيّة المجرّدة عن العلائق المادّية للشيء المجرّد القائم بذاته وهو حاصل في شأن المجرّد لأنّ ذاته غير غائبة عن ذاته فيكون عالما بذاته . وهو أنه لو كفى في كون الشيء شاعرا بنفسه كونه مجرّدا عن الهيولى لكانت الهيولى التي أثبتوها شاعرة بنفسها إذ ليست هي ماهيّة بغيرها بل ماهيّتها لها وهي مجرّدة عن الهيولى الأخرى إذ لا هيولى للهيولي وهي لا يغيب عن نفسها إن عنى بالغيبة الواقعة في تفسيرهم الإدراك بأنّه عدم الغيبة عن الذات المجرّدة عن المادّة ، البعد عن الذات لامتناع بعد الشيء عن نفسه ، وإن عنى بعدم الغيبة الشعور كان
هامش
( 7 ) التحصيل : 493 و 810 .