العلم وعمومه :
أحدهما أن يقال إنّه تعالى لمّا كان مبدءا لجميع الموجودات التي منها العلماء بذواتها بلا شبهة ، كان عالما بذاته بالضرورة لكون الفاعل أشرف وأكمل من أثره ، ومن كونه تعالى عالما بذاته ومبدءا لجميع الموجودات علم كونه تعالى عالما بجميع الموجودات ، معقولة كانت أو محسوسة ، كلّية كانت أو جزئيّة ، ويمكن أن يثبت بهذا الدليل العلم مطلقا ثمّ يثبت العلم بذاته تعالى ثمّ يثبت العلم بجميع الموجودات .
والثاني أن يقال إنّه تعالى لمّا كان مبدءا لجميع الموجودات التي منها الصور العلميّة كان مبدءا لفيضان العلوم على العلماء ، وكان فيّاض العلوم على العلماء وملهمها فكان عالما بالضرورة .
ثمّ بأحد من الوجهين المذكورين ثبت أنّه تعالى عالم بجميع الموجودات .
قوله [ في ص 18 ] : اتّفق جمهور العقلاء .
إنّما قال ذلك لأنّ بعضهم نفوا العلم . وظنّي أنّه لم ينف أحد من العقلاء علم الواجب [ بالذات ] بذاته تعالى ، بل البعض إنّما نفوا العلم التفصيلي قبل إيجاد الأشياء في الأعيان ظنّا منهم أنّ هذا هو العلم ، كما يدلّ عليه الدليل الذي استدلّوا به والبعض الذي نفوا العلم بذاته تعالى إنّما نفوا العلم الزائد على الذات كما يشعر به دليلهم .
قوله [ في ص 19 ] : جاز أن يكون فوقه ما هو أكمل . . . إلخ .
أي جاز عند المتأمّل في أوّل نظره ، والأولى أن يقول وجوّزوا ، والحاصل أنّ نظام الموجودات على وجه لم يمكن إن يوجد أعلى منه ، وعبارته توهم خلاف ذلك كما ذهب إليه الشافعي .