انفكاكه عنه في أيّ وقت فرض وإن كان وقتا موهوما والغرض أنّ معنى الصحّة هاهنا ليس إلّا الإمكان بالنظر إلى ذات الفاعل من حيث هو فاعل فإنّ للفلاسفة في تعريف القدرة عبارتين : إحداهما صحّة صدور الفعل ولا صدوره وأرادوا منها إمكان الصدور واللاصدور بالنسبة إلى الفاعل من حيث هو فاعل والثانية كون الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، والتلازم بين معنييهما ظاهر فمعناهما متّفق عليهما بين الفريقين ، فالنزاع بين الحكماء والمعتزلة ليس إلّا في قدم العالم وحدوثه ، مع اتفاقهما في أنّ إيجاد العالم وعدم الإيجاد ممكن بالنسبة إلى الذات بدون اعتبار الإرادة ، وواجب مع اعتبار الإرادة التي هي عين الذات ، فالمناسب في هذا الكتاب أن يفسّر الإيجاب المذكور هاهنا بامتناع انفكاك ذاته تعالى عن إيجاد العالم مطلقا في الأزل وحينئذ لا حاجة في إثبات نفيه إلى التطويل الذي ذكره الشارح في الاستدلال بل الحقّ أن يقال : إنّ تأثيره تعالى في وجود العالم ليس بالإيجاب بالمعنى المذكور ، وإلّا لزم قدمه بالضرورة .
قوله [ في ص 14 ] : واحتجّ على أنّه قادر . . . إلخ .
هذا الاستدلال إنّما يناسب لتابعي الأشعري ، ولهذا ذكره صاحب كتاب الأربعين « 1 » فيه فلا يصحّ إجراؤه من قبل المصنّف ، إذ على تقدير هذا الإجراء لقائل أن يعارض المصنّف ويقول : تأثيره تعالى في وجود العالم إن لم يكن بالإيجاب بالمعنى المذكور ، لزم ترجيح الفاعل بدون المرجّح ، أو احتياج التأثير إلى شرط حادث يحتاج إلى شرط آخر حادث ، بناء على ما ذكر من أنّه لو كان حادثا لتوقّف على شرط حادث ، ويلزم التسلسل في الشروط الحادثة متعاقبة أو مجتمعة وجميع ذلك محال عند المصنّف .
هامش
( 1 ) أي الفخر الرازي .