إمكان الاستدلال بما ذكر ، بل يجب مع ذلك القول بجواز ترجيح القادر أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجّح ، كما هو مذهب الأشاعرة ، إذ للنافين للإيجاب مطلقا قولان كما ذكره الإمام الرازي في الأربعين وسيجيء نقله عن المصنّف .
الأوّل : أنّ صدور الفعل عن القادر موقوف على داع يصير الفعل بسببه أولى بالوقوع ، إلّا أنّه لا ينتهي إلى حدّ الوجوب حتّى يبقى الفرق بين الموجب والقادر .
الثاني : أنّه لا يتوقّف على انضمام الداعي والمرجّح إليه أصلا ، بل القادر هو الذي يرجّح أحد مقدوريه على الآخر بدون مرجّح . والاستدلال المذكور إنّما يصحّ للقائلين بالثاني ، دون الأوّل . انتهى .
وعدم تمشّي الدليل من القائلين بالأوّل غير ظاهر ، لأنّ لهم أيضا أن يقولوا : لو كان صدور الفعل عن القادر يحتاج إلى داع يوجبه لزم قدم العالم أو التسلسل ، وأمّا إذا لم يكن الداعي موجبا ، بل موجب للأولوية فلا يلزم شيء من ذلك ، إذ يمكن أن يكون ذلك الداعي في الأزل ولم يوجد الفعل فيه ، بل يوجد في ما لا يزال ، لأنّه لا يمتنع تخلّف الفعل عن السبب الغير الموجب .
والقول بأنّ مع تلك الأولويّة إن أمكن الفعل والترك معا ، فلا يكفي في صدور الفعل بل لا بدّ من سبب آخر ضرورة ، كلام آخر مشهور في إبطال الأولويّة ، ولا دخل له بما نحن فيه ، فتأمّل .
قوله [ في ص 29 ] : بدون الوجوب واللزوم . . .
قال بعض الفضلاء : أي بدون اللزوم والوجوب في الاختيار والإرادة ، كما هو زعم المصنّف والمعتزلة من أنّه لا بدّ من مرجّح في الفعل يوجب تعلّق