كان البتة بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، فتأمّل .
واعلم أنّ بما حقّقه المحشّي ظهر فساد ما توهّمه جماعة من الفضلاء بناء على ما رأوا في كلام أكثر الفلاسفة من أنّهم عرّفوا القدرة بالمعنى الأخير ، من أنّ الفلاسفة القائلين بقدم العالم لا يثبتون للواجب تعالى القدرة إلّا بالمعنى الأخير ، فإنّ القدرة بالمعنى الأوّل إنّما ذهب إليه المتكلّمون ، وقد نزّل على هذا كلام الشارح هاهنا . ووجه فساده ظاهر جدّا ، لأنّ المراد بصحّة الفعل والترك ، إمّا صحّتهما في نفس الأمر أو بالنظر إلى ذات الفاعل ، والأوّل لا يقول به المعتزلة أيضا ، فإنّه ينافي قولهم بأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، والثاني ممّا يقول به الفلاسفة أيضا كما عرفت .
هذا مع أنّ بعض الفلاسفة مع كونه قائلا بقدم العالم قد عرّف القدرة بالمعنى الأوّل ، كما نقله المحقّق الدواني . وفي كلام المحشّي أيضا إشارة إليه فافهم .
قوله [ في ص 28 ] : فالنزاع بين الحكماء والمعتزلة . . . إلخ .
قال الفاضل المعاصر : أي المتفقين منهم مع الحكماء في القول بعدم زيادة الإرادة على الذات ووجوب الأصلح كالمصنّف وواصل بن عطاء والنظام والكعبي وغيرهم ، لا القائلين بزيادة الإرادة وحدوثها كالجبائي وعبد الجبّار ، والقائلين بعدم وجوب شيء كالضرار ( 104 ) ، فيحتمل أن يكون لفظة « مع » بمعنى عند ، والظرفيّة حاليّة مخصّصة . انتهى .
ولا يخفى أنّ الاتّفاق في عدم زيادة الإرادة ممّا لا يجب فرضه لتصحيح قوله : فالنزاع بين الحكماء والمعتزلة ليس إلّا في قدم العالم وحدوثه ، لأنّ من كان من المعتزلة قائلا بحدوث الإرادة لا نزاع له أيضا هاهنا إلّا في القدم والحدوث ، لأنّه يوافق الحكماء في أنّ إيجاد العالم وعدم إيجاده ممكن