. . . . .
هامش
- فإن قلت : ألستم تقولون : إن الحال يشبه الخبر ، وقد علمنا أن خبر المبتدأ كما يكون جملة خبرية محتملة للصدق والكذب يكون جملة طلبية ، وذلك مما يقول به جمهور النحاة فإنه لم يخالف في صحة مجيء الخبر جملة طلبية إلا ابن الأنباري ، فلماذا لم يصح مجيء الحال جملة طلبية ؟
قلت : الحال كما يشبه الخبر يشبه النعت ، وقد أعطي الحال في هذا حكم النعت ، ولم يعط فيه حكم الخبر ، ولذلك سر حاصله أن الخبر حكم على صاحبه ، والأصل أن الحكم يكون مجهولا قبل أن يتكلم المتكلم به فيقصد بكلامه إفادة السامع إياه ، ولا كذلك الحال والنعت ، فإن النعت لتعيين المنعوت أو تخصيصه ، وما به التعيين أو التخصيص لا بد أن يكون معلوما للمخاطب قبل التكلم ، ولما كان الطلب لا يحصل مضمونه إلا بعد الكلام لم يصلح للتخصيص ولا للتعيين ، فلم يصح أن يقع حالا ، ولما كان الحال قيدا للعامل في صاحب الحال حملوه على النعت في هذا لقرب شبهه به فيه ، فاعرف هذا .
والخلاصة أن الأمين المحلي ادعى في قوله ( ولا تضجر ) ثلاثة أمور ؛ الأول : أن الواو للحال ، وثانيها أن لا ناهية ، وثالثها أن الفتحة في المضارع فتحة بناء ، وأن الرد عليه ، أنا لا نسلم أن الواو للحال ، بل هي الواو التي بمعنى مع ، ولا نسلم أن لا ناهية ، بل هي نافية ، ولئن سلمنا أن لا ناهية وأن الفعل المضارع مبني بعدها ، فإن هذا لا يفيدك في ادعاء أن جملة الحال قد جاءت طلبية ؛ لأنا نجعل الواو عاطفة ، وجملة النهي معطوفة بهذه الواو على جملة الأمر التي هي قوله اطلب .
بقي أن نقول لك : إنه قد ورد في الحديث النبوي ما ظاهره وقوع الحال جملة طلبية ، وذلك في حديثين أحدهما قوله عليه الصلاة والسّلام : « وجدت الناس أخبر نقله » إذا جعلت وجد بمعنى أصاب كانت جملة ( اخبر تقله ) في محل نصب حال ، هذا بحسب الظاهر ، والثاني قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا هاء وهاء » فإن هاء اسم فعل أمر بمعنى خذ ، والجملة بحسب الظاهر في محل نصب حال ، وقد خرج العلماء هذين الحديثين بأن الجملة الطلبية في كل منهما في محل نصب مقول لقول محذوف هو الذي يقع حالا ، وتقدير الكلام في الحديث الأول : وجدت الناس مقولا فيهم اخبر تقله ، وتقديره في الحديث الثاني : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا قائلين خذ وخذ ، الأولى يقولها البائع ، والثانية يقولها المشتري . -