( 1 ) قد اختلفت التعابير عن معنيي الجهر والإخفات قديما وحديثا ، حتّى مال المتأخّرون إلى ما أعرض عنه القدماء ، وإن أتعب بعض الأصحاب نفسه الزكيّة في إرجاع إحدى المقالتين إلى الأخرى ، إذ المرجع - وهو العرف - واحد .
ولكن لا بدّ من التأمّل في نصوص الباب ، إذ الشرع قد يخطّئ العرف وقد يصوّبه ، فلعلّ الاختلاف بين الأصحاب نشأ من تحديد الشرع بلا اتّكال على العرف البحت .
ولا يخلو تعبير بعض أساطين الفقه عن الإيهام ، حيث عبّر عن المقام ب « أنّ أقلّ الجهر أن يسمع الغير والإخفات أن يسمع نفسه » والوهم هو احتمال عطف الإخفات على الجهر الّذي أضيف إليه لفظة « الأقلّ » فالمعنى حينئذ هو تحديد أقلّ الإخفات لا أصله ، فمعه يمكن التصادق في مورد يكون مصداقا لأقلّ الجهر وأعلى الإخفات ، مع أنّهما متضادّان لا اجتماع بينهما ، وإن أمكن ارتفاعهما فيما يكون هناك ثالث ، بخلاف النقيضين ، إذ لا رفع لهما كما لا جمع بينهما .
وبالجملة : إنّ المنساق من « الجهر » هو الصوت المصحوب بالجوهر والجرس ، سمع الغير أم لا . كما أنّ المتبادر من « الإخفات » هو الصوت العاري عنه كذلك - أي سمع الغير أم لا - فمعه لا اجتماع بينهما أصلا . وفي تسمية ذلك بالتضادّ اصطلاح وراء ما اعتبر فيه : من كون كلّ من الضدّين أمرا وجوديّا ، وأنت خبير بأنّ القيد العدمي موجب لعدميّة المركّب منه ومن المقيّد ، إذ الملتئم من الخارج والداخل خارج ، فعليه : يكون أحدهما عدميّا والآخر وجوديّا ، فلا تضادّ مصطلح بينهما .
هذا حسب ما يؤدّي إليه النظر الساذج قبل التأمّل في نصوص الباب . وأمّا فمعه : فيمكن تحديد كلّ واحد منهما بلحاظ إفراط الجهر وتفريط الإخفات بما يرجع إلى المتن هنا والمسألة 27 و 28 بلا احتياج إلى استيناف البحث عنهما .
هذا آخر ما أفاده سيّدنا الأستاذ - قدّس سرّه - وقد مرض في العشر الثاني من رمضان المبارك عام 1388 ه - ق ، والسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّا ، فقيها شافعا مشفّعا ( إن شاء اللَّه تعالى ) .
كتاب الصلاة تقرير أبحاث السيد محمد المحقق الداماد ( وتليه كتاب أسرار الصلاة ) — صفحة 248
مساهمون: الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
ص٢٤٨