الأوّلين لسهولة تصوير الرياء فيهما موضوعا وحكما ، سيّما الأوّل منهما ، إذ القصد التامّ فيه منحدر نحو الصيانة عن الكذب ، بحيث لو أمكن له أن يخبر بوقوع تلك العبادة كاذبا بلا مفسدة لارتكبه بلا افتقار إلى التعب ، فالإتيان بها إنّما هو للتحرّز عن الكذب ونحوه .
هذا ما يقتضيه الأصل الأوّلي . وأمّا بلحاظ النصّ الخاص :
فمنه : ما رواه عن جميل بن درّاج قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السّلام عن قول اللَّه عزّ وجلّ :
« فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى »
قال : قول الإنسان صلّيت البارحة وصمت أمس ونحو هذا ، ثمّ قال عليه السّلام : إنّ قوما كانوا يصبحون فيقولون : صلّينا البارحة وصمنا أمس ، فقال علي عليه السّلام : ولكنّي أنام الليل والنهار ولو أجد بينهما شيئا لنمته « 1 » .
وظاهر الآية وإن كان نهيا عن التزكية الّتي يقال في حقّها بأنّها قبيحة ، إلّا أنّ التفسير بشهادة الذيل دالّ على حكم خصوص القسم الأوّل ، حيث استقرّ دأب ذلك القوم على الصلاة والصوم لأن يراءوا بهما بين الناس ، ولا خلاف في حرمته وبطلانه - كما مرّ - فلا يشمل ما عداه .
وأمّا قول عليّ عليه السّلام فلعلّه مسبوك في سبيكة الفرض ، أي لو كان بمنزلة هؤلاء المرائين لنام آناء الليل وأطراف النهار صونا عن التعب المقرون بالإثم والمعصية . وله محامل أخر ، فليرجع إلى مظانّها .
ومنه : ما رواه عن عليّ بن أسباط : عن بعض أصحابنا ، عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال : الإبقاء على العمل أشدّ من العمل ، قال : وما الإبقاء على العمل ؟ قال :
يصل الرجل بصلة وينفق نفقة للَّه وحده لا شريك له فكتبت له سرّا ، ثمّ يذكر فتمحى فتكتب له علانية ، ثمّ يذكرها فتمحى وتكتب له رياء « 2 » .
لا اعتداد بها سندا ، للإرسال . وكذا دلالة ، لعدم العمل بهذا التفصيل عن
هامش
( 1 ) الوسائل الباب 14 من أبواب مقدمة العبادات ح 1 و 2 .
( 2 ) الوسائل الباب 14 من أبواب مقدمة العبادات ح 1 و 2 .