عنهم هو امتناع عبادة ذات اللَّه ( تعالى ) لكونه أجلّ من أن تناله يد العبوديّة له وتمسّ كرامته يد الرقّيّة والخضوع له ، بل المعبود هو الوثن فقط لكونه شفيعا ومقرّبا للعابد إلى اللَّه ، فالمعبود - أي الوثن - واسطة بين الخلق والخالق .
وإطلاق الشرك على ذلك إنّما هو بأنّ العبودية الّتي كانت للَّه تعالى قد جعلت لغيره ، فجعل ذلك الغير شريكا له ( تعالى ) في استحقاق الرقّية له وحصر العبادة لأجله .
ومدار احتجاج القرآن مع هؤلاء الوثنيّين هو توحيد الربوبيّة والمعبوديّة ، لا الخالقيّة ، فضلا من الذات الواجبة «
لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
إلخ » .
فإذا تمهّدت هذه ، فنقول : إنّ إطلاق الشرك على الرياء ، إمّا باعتبار عبادة المرائي لغير اللَّه من الناس ، وإمّا باعتبار جعله غيره شريكا له ( تعالى ) وإمّا باعتبار التنزيل لا التحقيق ، فيتبعه ترتّب آثار المنزّل عليه ( وهو الشرك ) على المنزّل ( وهو الرياء ) .
أمّا الأوّل : فباطل البتّة ، إذ لا يكون غير اللَّه معبودا للمرائي ، حيث إنّه لا يعبده ، لأنّ قصده إراءة كونه عابدا له ( تعالى ) مع أنّه ليس كذلك من دون قصد عبادة غيره ( تعالى ) . وهكذا الثاني ، لأنّ الرياء أينما تحقّق فإنّما هو لاراءة التوغّل في اللَّه ، ولا دخالة للغير في المعبوديّة أصلا ، بل المقصود إنّما هو إرائته ذلك .
أضف إلى ذلك : عدم تمشّي هذا الوجه في القسم الأوّل من الأقسام الخمسة المتقدّمة الّذي لا يكون الداعي إلّا إراءة الغير من دون قصد للَّه ( تعالى ) أبدا - بالأصالة أو غيرها - فلا مجال فيه للشركة . فإن كان ولا بدّ ، فإنّما هو باعتبار التنزيل الموجب لترتّب الآثار صونا عن اللغويّة .
وممّا لا مناص من التذكار له ، هو لزوم الفحص عن نطاق النصوص القادمة :
من أنّه هل هو بيان الوضع من البطلان ؟ أو التكليف من الحرمة ؟ أو هما معا ؟