ثم قام سلمان الفارسيّ رضي الله عنه فقال : يا أبا بكر ، إلى من تسند أمرك إذا نزل بك الموت ؟ ! وإلى من تفزع إذا سئلت عمّا لا تعلم ، وفي القوم من هو أعلم منك ، وأكثر في الخير أعلاما منك ، وأقرب إلى رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلم قرابة منك ؟ ! قد قدّمه في حياته ، وأوعز إليكم عند وفاته ، فنبذتم قوله وتناسيتم وصيّته « 1 » ، فعمّا قليل يصفو لك الأمر ، وتزور القبور ، وقد أثقلت بالأوزار ، وحملت معك إلى قبرك ما قدّمت يداك ، فإن راجعت الحقّ ، وأنصفت أهله ، كان ذلك نجاة لك يوم تحتاج إلى عملك وتفرد في الآخرة بذنوبك . وقد سمعت كما سمعنا ، ورأيت كما رأينا ، فلم يردعك ذلك عمّا أنت فاعل ، فالله الله في نفسك ، فقد أعذر من أنذر ، وما الله بظلّام للعبيد .
ثم قام المقداد بن الأسود رضي الله عنه وقال : يا أبا بكر ، إربع على ضلعك وقس على شبرك بفترك ، وألزم بيتك ، وابك على خطيئتك ، فإن ذلك أسلم لك في حياتك ومماتك ، وردّ هذا الأمر حيث جعله الله عزّ وجلّ ورسوله صلّى اللّه عليه واله وسلم ، ولا تركن إلى الدنيا ، ولا يغرنّك من قريش أوغادها ، فعمّا قليل يضمحلّ عنك دنياك ثم تصير إلى ربّك ، فيجزيك بعملك ، وقد علمت أنّ عليّا عليه السّلام صاحب هذا الأمر من بعد رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلم ، فاجعلنّه له ، فإن ذلك أسلم لك ، وأحسن لذكرك ، وأعظم لأجرك ، وقد نصحت لك إن قبلت نصحي ، وإلى الله ترجع بخير كان أو بشر .
ثم قام بريدة بن حصيب الأسلمي فقال : يا أبا بكر ، أنسيت ، أم تناسيت ، أم خدعتك نفسك ؟ ! ، أما تذكر إذ أمرنا رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلم فسلّمنا على عليّ عليه السّلام بإمرة المؤمنين « 2 » ، ونبيّنا بين أظهرنا ؟ ! ! ! فاتّق الله وتدارك نفسك قبل أن لا تداركها ، وادفع هذا الأمر إلى من هو أحقّ به منك من أهله ، ولا تماد في اغتصابه ، وأرجع وأنت مستطيع أن ترجع ، فقد محّضت نصحك ، وبيّنت لك ما عندي ما إن فعلته وفّقت ورشدت .
ثم قام عمّار بن ياسر رضي الله عنه فقال : يا معاشر قريش ، قد علمتم أنّ
هامش
( 1 ) أشار سلمان بقوله هذا ، إلى رزية الخميس التي رواها الشيخ البخاري في صحيحه من طرق عدة .
( 2 ) أشار بريدة بقوله هذا إلى بيعة غدير خم التي نصب فيها النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلم عليا عليه السّلام وليا وخليفة على الأمة من بعده .