صاحب الملّة والدعوة ، ولمّا كثر من أهل هذا البيت وتشاجروا في الإمامة لعلوّها وشرفها ادّعاها كلّ واحد منهم فلم يجز إلّا أن يكون من صاحب الملّة والدعوة إليه إشارة بعينه واسمه ونسبه لئلّا يطمع فيها غيره .
وأمّا الأربع التي في نعت نفسه فبأن يكون أعلم الناس كلّهم بفرائض اللّه وأحكامه حتى لا يخفى عليه منها دقيق ولا جليل وأن يكون معصوما من الذنوب كلّها وأن يكون أشجع الناس وأن يكون أسخى الناس .
قال : من أين قلت إنّه أعلم الناس ؟
قال : لأنّه إن لم يكن عالما بجميع أحكام اللّه لم يؤمن عليه أن يقلب الحدود فمن وجب عليه القطع حدّه ومن وجب عليه الحدّ قطعه فلا يقيم حدّ اللّه على ما أمره به فيكون من حيث أراد اللّه صلاحا أن يكون فسادا .
قال : فمن أين قلت إنّه معصوم من الذنوب ؟
قال : لأنّه إن لم يكن معصوما دخل في الخطأ فلا يؤمن أن يكتم على نفسه ويكتم على حميمه وقريبه ولا يحتج اللّه عزّ وجلّ بمثل هذا خلقه .
قال : فمن أين قلت : إنّه أشجع الناس ؟
قال : لأنّه فئة للمسلمين الذين يرجعون إليه في الحروب وقال اللّه عزّ وجلّ :
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
« 1 » فلا يجوز أن يكون من يبوء بغضب من اللّه حجّة للّه على خلقه .
قال : فمن أين قلت : إنّه أسخى الناس ؟
قال : لأنّه خازن المسلمين فإن لم يكن سخيّا تاقت نفسه إلى أموالهم فأخذها فكان خائنا ولا يجوز أن يحتجّ اللّه على خلقه بخائن .
قال ضرار : فمن هذا بهذه الصفة في هذا الوقت ؟
فقال : صاحب القصر أمير المؤمنين يعني الرشيد وكان هارون قد سمع الكلام كلّه .
قال فعند ذلك قال : أعطانا واللّه من جراب النورة ويحك يا جعفر من يعني بهذا ؟
قال : يعني موسى بن جعفر قال : ما عنى بها غير أهلها ثمّ عضّ على شفته وقال مثل هذا حي ويبقى لي ملكي ساعة واحدة ، فوالله للسان هذا أبلغ في قلوب الناس من مائة ألف سيف ، وعلم يحيى أنّ هشاما قد هلك . ثمّ خرج إلى هشام فغمزه فعلم هشام أنّ الرشيد يريد قتله فقام كأنّه يقضي
هامش
( 1 ) سورة الأنفال ، الآية : 16 .