وقال الإمام الصادق عليه السّلام : « خالطوا الناس بما يعرفون ، ودعوهم مما ينكرون ، ولا تحملوا على أنفسكم وعلينا ؛ إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلّا ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان « 1 » .
وقال عليه السّلام : « لا تذيعوا سرّنا ولا تحدّثوا به عند غير أهله فإن المذيع سرّنا أشدّ علينا من عدوّنا » « 2 » .
وقد بيّن الإمام العسكري عليه السّلام علّة عدم إخبارهم بالأمور الغيبية بقوله لموسى الجوهري :
« ألسنا قد قلنا لكم لا تسألونا عن علم الغيب ، فنخرج ما علمنا منه إليكم ، فيسمعه من لا يطيقه استماعه فيكفر » « 3 » .
* ثالثا : الظروف التي كان يعيشها النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وكذلك بعض الأئمّة كانت مختلفة فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان في بداية الدعوة الإسلامية وقريب عهد بالجاهلية .
بينما أمير المؤمنين عليه السّلام جاء بعده بسنوات ، وهكذا الأئمة واحدا بعد واحد .
وإذا أردنا أن نبرم هذا الكلام فلا بأس بنقل كلام لسماحة الشيخ محمد الحسين المظفر الذي يصلح أن يكون جوابا عن هذا المطلب : قال بعد أن ذكر توقف الرسالة على علم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بكل الأشياء : فعلم الرسول بالعالم وإحاطته بما يحدث فيه وقدرته على تعميم الاصلاح للداني والقاصي والحاضر والباد ؛ من أسس تلك الرسالة العامة وقاعدة لزومية لتطبيق تلك الشريعة الشاملة .
غير أن الظروف لم تسمح لصاحب هذه الرسالة صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يظهر للأمّة تلك القوى القدسية والعلم الربّاني الفيّاض . وكيف يعلن بتلك المواهب والإسلام غضّ جديد ، والناس لم تتعرّف تعاليم الإسلام الفرعية بعد ؟ !
فكيف تقبل أن يتظاهر بتلك الموهبة العظمى وتطمئن إلى الإيمان بذلك العلم . بل ولم يكن كل قومه الذين انضووا تحت لوائه من ذوي الإيمان الراسخ ، وما خضع البعض منهم للسلطة النبوية إلّا بعد اللتيا والتي وبعد الترهيب والترغيب » « 4 » .
أقول : عدم إفصاح النبي الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن كنه علمه كان بالنسبة لعامّة الناس .
وإلّا فقد أفصح لخاصة أصحابه عن كنه حقيقته وحقيقة علمه ، بل وفي بعض الأحيان كان يفصح للكثير من الصحابة عن بعض الأمور الغيبية أو الغامضة الجديدة ، كما تقدّم في كثير من الأحاديث حول عالم الأنوار ، وأنّه كان حول العرش هو وآله ، وأنّه كان نبيا وآدم بين الطين والماء .
هامش
( 1 ) الأصول الأصيلة : 169 .
( 2 ) الخرائج والجرائح : 267 باب 7 .
( 3 ) الهداية الكبرى : 334 باب 13 .
( 4 ) علم الإمام : 9 - 10 .