وقوله تعالى :
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ
« 1 » .
ولا يتوهّم مسلم أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شك في يوم من الأيام ، وأين قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ *
« 2 » .
ثانيا : فرق بين النبي الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبين آل محمّد عليهم السّلام وذلك لكون زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم زمن تأسيس الإسلام وتركيز دعائمه الأساسية وهم قريبوا عهد بالجاهلية ، ويدل عليه ما روي عن الإمام الكاظم عليه السّلام قال : « إنّ علي بن الحسين عليه السّلام كان يقرأ القرآن فربّما مرّ المار فصعق من حسن صوته ، وإنّ الإمام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس » .
قيل له : ألم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يصلّي بالناس ويرفع صوته بالقرآن ؟ .
فقال عليه السّلام : « إنّ رسول اللّه كان يتحمّل من خلفه ما يطيقونه » « 3 » .
ورواه الكليني بسند آخر « 4 » .
* ويجاب عن الآيات الأولى النافية لعلم الغيب : بأنّه لا يراد إثبات علم الغيب لآل محمّد عليهم السّلام بالاستقلال أو بعرض علم اللّه تعالى الغيبي ، فإنّ المنفي من الآيات هو علم الغيب الذي يكون بعرض علم اللّه تعالى ، لذا قال تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
« 5 » .
وقال :
لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
« 6 » .
فالآيات لا تنفي أن يمنح ويمنّ اللّه عزّ وجلّ بعلمه كلّه أو بعضه على من يشاء كيفما يشاء وأينما يشاء ، انّما هي تنفي الغيب الذي يؤدّي بصاحبه إلى الألوهية أو الشريك لله .
وسوف يأتي زيادة توضيح عند ذكر الآيات الدالة على علم للنبي الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للغيب .
* ويجاب عن الآية الثانية : أنّها عامّة لكل الناس إنّما خوطب النبي بها لأنّه القارئ الأوّل للقرآن ، والمعنيّ بمسألة القرآن أكثر من غيره ، وإلّا فرسول اللّه مطهّر من هذه النواقص بآية التطهير .
على أنّ الآية تثبت عدم نسيان النبي للقرآن ، والاستثناء ليس إثبات لنسيانه إنّما هو لبقاء قدرة اللّه على إطلاقها ، نظير قوله تعالى في أهل الجنة :
خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
« 7 » .
هامش
( 1 ) سورة يونس ، الآية : 94 .
( 2 ) سورة الفتح ، الآية : 28 .
( 3 ) بحار الأنوار : 46 / 69 عن الاحتجاج .
( 4 ) الكافي : 2 / 615 باب ترتيل القرآن ح 4 .
( 5 ) سورة الجن ، الآية : 26 - 27 .
( 6 ) سورة يونس ، الآية : 39 .
( 7 ) سورة هود ، الآية : 108 .