ثم خرجت تريد النّجاشيّ مع أصحاب السفينة ، لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة ، فلما أخطأك ما رجوت ورجعك اللّه خائبا ، وأكذبك واشيا ، جعلت حدّك على صاحبك عمارة بن الوليد ، فوشيت به إلى النجاشيّ ، حسدا لما ارتكب مع حليلتك ، ففضحك اللّه وفضح صاحبك .
فأنت عدوّ بني هاشم في الجاهليّة والإسلام . ثم إنك تعلم وكلّ هؤلاء الرّهط يعلمون أنّك هجوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بسبعين بيتا من الشّعر ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « اللّهمّ إني لا أقول الشّعر ولا ينبغي لي ، اللّهمّ العنه بكل حرف ألف لعنة » ؛ فعليك إذا من اللّه ما لا يحصى من اللعن .
وأما ما ذكرت من أمر عثمان ، فأنت سعّرت عليه الدّنيا نارا ، ثم لحقت بفلسطين فلمّا أتاك قتله ، قلت : أنا أبو عبد اللّه إذا نكأت قرحة أدميتها . ثم حبست نفسك إلى معاوية ، وبعت دينك بدنياه ، فلسنا نلومك على بغض ، ولا نعاتبك على ودّ ، وباللّه ما نصرت عثمان حيّا ولا غضبت له مقتولا ، ويحك يا بن العاص ! ألست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشيّ :
تقول ابنتي أين هذا الرحيل * وما السّير منّي بمستنكر
فقلت : ذريني فإني امرؤ * أريد النجاشيّ في جعفر
لأكويه عنده كيّة * أقيم بها نخوة الأصعر
وشانئ أحمد من بينهم * وأقولهم فيه بالمنكر
وأجري إلى عتبة جاهدا * ولو كان كالذّهب الأحمر
ولا أنثني عن بني هاشم * وما اسطعت في الغيب والمحضر
فإن قبل العتب منّى له * وإلّا لويت له مشفري
فهذا جوابك ، هل سمعته !
وأما أنت يا وليد ؛ فوالله ما ألومك على بغض عليّ ، وقد جلدك ثمانين في الخمر ، وقتل أباك بين يدي رسول اللّه صبرا ، وأنت الذي سمّاه اللّه الفاسق ، وسمّى عليا المؤمن ، حيث تفاخرتما فقلت له : أسكت يا عليّ ، فأنا أشجع منك جنانا ، وأطول منك لسانا ، فقال لك عليّ : أسكت يا وليد فأنا مؤمن وأنت فاسق ؛ فأنزل اللّه تعالى في موافقة قوله :
أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ
« 1 » ، ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضا :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
« 2 » .
ويحك يا وليد ! مهما نسيت ، فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه :
أنزل اللّه والكتاب عزيز * في عليّ وفي الوليد قرآنا
فتبوّأ الوليد إذ ذاك فسقا * وعليّ مبوّأ إيمانا
هامش
( 1 ) سورة السجدة ، الآية : 18 .
( 2 ) سورة الحجرات ، الآية : 6 .