أرادوا وما في أنفسهم إني لأستحيي لك من الفحش ، وإن كانوا غلبوك على رأيك إني لأستحيي لك من الضعف ؛ فأيهما تقرّر ، وأيهما تنكر ؟ أما إني لو علمت بمكانهم جئت معي بمثلهم من بني عبد المطّلب ، وما لي أن أكون مستوحشا منك ولا منهم ! إن وليّي اللّه ، وهو يتولّى الصالحين .
فقال معاوية : يا هذا ، إنّي كرهت أن أدعوك ، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له ، وإنّ لك منهم النّصف ومنّي ، وإنما دعوناك لنقرّرك أنّ عثمان قتل مظلوما ، وأن أباك قتله ، فاستمع منهم ثم أجبهم ، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكلّ لسانك .
فتكلم عمرو بن العاص ، فحمد اللّه وصلى على رسوله ، ثم ذكر عليّا عليه السّلام ، فلم يترك شيئا يعيبه به إلّا قاله ، وقال : إنّه شتم أبا بكر وكره خلافته ، وامتنع من بيعته ، ثم بايعه مكرها ، وشرك في دم عمر ، وقتل عثمان ظلما . وادّعى من الخلافة ما ليس له .
ثم ذكر الفتنة يعيّره بها ، وأضاف إليه مساوئ ؛ وقال : إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن اللّه ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء ، واستحلالكم ما حرّم اللّه من الدماء ، وحرصكم على الملك ، وإتيانكم ما لا يحلّ .
ثم إنك يا حسن ، تحدّث نفسك أنّ الخلافة صائرة إليك ، وليس عندك عقل ذلك ولا لبّه ، كيف ترى اللّه سبحانه سلبك عقلك ، وتركك أحمق قريش ، يسخر منك ويهزأ بك ، وذلك لسوء عمل أبيك ! وإنما دعوناك لنسبّك وأباك ، فأما أبوك فقد تفرّد اللّه به وكفانا أمره ، وأما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال ، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من اللّه ، ولا عيب من الناس ، فهل تستطيع أن تردّ علينا وتكذّبنا ؟ فإن كنت ترى أنّا كذبنا في شيء فأردده علينا فيما قلنا ، وإلّا فاعلم أنك وأباك ظالمان .
ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، فقال : يا بني هاشم ، إنّكم كنتم أخوال عثمان ؛ فنعم الولد كان لكم ؛ فعرف حقكم ، وكنتم أصهاره فنعم الصّهر كان لكم ، يكرمكم فكنتم أول من حسده ، فقتله أبوك ظلما ، لا عذر له ولا حجة ، فكيف ترون اللّه طلب بدمه ، وأنزلكم منزلتكم ! واللّه إنّ بني أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية ، وإن معاوية خير لك من نفسك .
ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان ، فقال : يا حسن ، كان أبوك شرّ قريش لقريش ، أسفكها لدمائها ، وأقطعها لأرحامها ، طويل السيف واللسان ، يقتل الحيّ ويعيب الميت ، وإنك ممّن قتل عثمان ، ونحن قاتلوك به ، وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحا ، ولا في ميزانها راجحا ، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان ، وإنّ في الحق أن نقتلك وأخاك به ؛ فأمّا أبوك فقد كفانا اللّه أمره وأقاد منه ، وأما أنت ، فوالله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان .
ثم تكلم المغيرة بن شعبة ، فشتم عليا ، وقال : واللّه ما أعيبه في قضية يخون ، ولا في حكم يميل ، ولكنه قتل عثمان . ثم سكتوا .
موسوعة أهل البيت ( ع ) — صفحة 132
مساهمون: السيد علي عاشور
ص١٣٢