بل لعلّها رأته يصنع لأغراض أخرى فلمّا وصفته لفاطمة أو صنعته اتّخذته فاطمة نعشا ، ويؤيّد ذلك قول ابن عبّاس : إنّ أوّل من جعل لها النعش فاطمة لا غيرها ، ويمكن أن يقال : إنّ أوّل من جعل له نعشا في الإسلام فاطمة ، فلا ينافي وجوده في الحبشة .
أبت غيرة فاطمة وعفّتها حيّة وميّتة أن يرى أحد لا يحلّ له النظر إليها شخصها .
بل لم تحبّ فاطمة أن ينظر لشخصها أحد يوم المرور على الصراط كما تقدّم ، حيث يأمر اللّه - عفّة وصيانة لمقام فاطمة - جميع الخلق بأن يغضّوا أبصارهم وينكّسوا رؤوسهم لتمرّ العفيفة فاطمة أشرف بنات الأنبياء على الإطلاق ، فتمرّ عليها السّلام كالبرق الخاطف .
وفي يوم من الأيّام دخل على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رجل أعمى فحجبته فاطمة فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لها :
لم حجبتيه وهو لا يراك ؟ فقالت : إن لم يكن يراني فإنّي أراه وهو يشمّ الريح ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
أشهد أنّك بضعة منّي « 1 » .
* * *
كرامات ومعاجز فاطمة عليها السّلام
ذكرنا في كتاب الولاية التكوينيّة لآل محمد عليهم السّلام « 2 » الفرق بين المعجزة والكرامة والدعاء المستجاب والولاية التكوينيّة ، وهنا سوف نذكر بعض كرامات فاطمة مع عدم التفريق بين ذلك .
فعن جابر قال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أقام أيّاما ولم يطعم طعاما حتّى شقّ ذلك عليه فطاف في ديار أزواجه فلم يصب عند إحداهنّ شيئا فأتى فاطمة فقال : يا بنيّة هل عندك شيء آكله ، فإنّي جائع ؟
قالت : لا واللّه بنفسي وأخي ، فلمّا خرج عنها بعثت جارية لها رغيفين وبضعة لحم فأخذته ووضعته تحت جفنة وغطّت عليها ، وقالت : واللّه لأوثرنّ بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على نفسي وغيري وكانوا محتاجين إلى شبعة طعام ، فبعثت حسنا وحسينا إلى رسول اللّه فرجع إليها ، فقالت : قد أتانا اللّه بشيء فخبّأته لك .
فقال : هلّمي عليّ يا بنيّة ، فكشفت الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا ولحما فلمّا نظرت إليه بهتت وعرفت أنّه من عند اللّه فحمدت اللّه وصلّت على نبيّه أبيها وقدّمته إليه فلمّا رآه حمد اللّه وقال : من أين لك هذا ؟
قالت : هو من عند اللّه إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب « 3 » .
هامش
( 1 ) البحار : 43 / 91 ح 16 .
( 2 ) طبع في كتاب : آل محمد بين قوسي النزول والصعود ، ط ، دار الهادي .
( 3 ) بحار الأنوار : 43 / 27 ، ح 30 .