وأمّا النفاق : فعلى أربع دعائم : الهوى ، والهوينا ، والحفيظة ، والطمع .
فالهوى : على أربع شعب : البغي ، والعدوان ، والشهوة ، والطغيان ، فمن بغى كثرت غوائله ونصر عليه وتخلى عنه ، ومن أعتدى لم تؤمن بوائقه ولم يسلم قلبه ولم يعدل نفسه عن الشهوات وإتيان الخبيثات ، ومن طغى ضلّ عن المحجة بلا حجّة .
والهوينا : على أربع شعب : الغرة ، والأمل ، والهيبة ، والمماطلة ، وذلك أنّ الهيبة تؤخر الحق ، وتعضد الغرة بالمماطلة في الأمل حتى يقدم الأجل ولولا الأمل علم الانسان « 1 » ما هو فيه ، ولو علم ذلك مات خاليا من الهوى .
والحفيظة : على أربع شعب : الكبر ، والفخر ، والحميّة ، والعصبيّة ، فمن إستكبر أدبر عن الحق ، ومن فخر فجر ، ومن حمى أصرّ ، ومن أخذته العصبيّة جار ، وبئس الأمر بين إدبار وفجور وإصرار وجور عن الصراط المستقيم .
والطمع : على أربع شعب : الفرح ، والمرح ، واللجاجة ، والبطر .
فالفرح مكروه عند اللّه تعالى ، والمرح خيلاء ، واللجاجة بلاء فيمن اضطرّته حبائل الآثام ، والبطر لهو ولعب وشغل واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير ، وكلّ ذلك كان سيئة عند ربك مكروها « 2 » .
بعض الخطب والمواعظ
قد اشتمل كتاب نهج البلاغة المنسوب إليه عليه السّلام على أنواع من خطبه ومواعظه الصادعة بأوامرها ونواهيها ، المطلّعة أنوار الفصاحة والبلاغة ، مشرقة من ألفاظها ومعانيها الجامعة حكم عيون علم المعاني والبيان على اختلاف أساليبها ، مودعة فيها ولا يليق نقل ما فيه مع شهرته وكثرة نسخه بمنصب من نصب نفسه لجمع أشتاب المناقب من أرجاء محالها ونواحيها ، وإن حصل الإعراض عن نقله لم تظفر يد الطلب بالمقاصد التي تتواخاها وتتبّعها « 3 » ، فرأيت أن اقتصر على شيء يسير منها لئلا أخلي هذا النوع الذي هو أحد دعائم هذا الفصل عنها .
فمنها ما ذكره بعد انصرافه من صفّين : أحمده استتماما لنعتمه ، واستسلاما لعزّته ، واستعصاما
هامش
( 1 ) في نسخة زيادة : علم .
( 2 ) اليقين لابن أبي الدنيا 52 : 10 ، الغارات : 81 - 87 ، شعب الايمان 1 : 70 / 39 ، دستور معالم الحكم :
92 - 95 ، حلية الأولياء 1 : 74 ، مناقب الخوارزمي : 372 / 390 ، شرح نهج البلاغة 18 : 142 / 31 ، وقال ابن أبي الحديد : من هذا الفصل أخذت الصوفية وأصحاب الطريقة والحقيقة كثيرا من فنونهم في علومهم .
( 3 ) في نسخة : وتبتغيها .