لها والآخرة باقية لا فناء لها ، الدنيا مقبلة إلى الآخرة والآخرة ملجأ الدنيا وليس للآخرة منتقل ولا منتهى ، من كانت الدنيا همّه إشتدّ لذلك غمّه ومن آثر الدنيا على الآخرة حلّت به الفاقرة « 1 » .
وقال عليه السّلام : إنّما الدنيا دار فناء وعناء وغيرة وعبر ، فمن فنائها انّك ترى الدهر موترا قوسه مفوّقا نبله يرمي الصحيح بالسقم والحي بالموت والبريء بالتهم ، ومن عنائها أنّك ترى المرء يجمع ما لا يأكل ويبني ما لا يسكن ويأمل ما لا يدرك ، ومن عبرها أنّك ترى المرحوم مغبوطا ، والمغبوط مرحوما ليس بينهم إلّا نعيم زال أو مثلة حلت أو موت نزل ، ومن عبرها أنّ المرء يسوف عليه أمله حتى يختطفه دونه أجله « 2 » .
وقال عليه السّلام : اجعل الدنيا شوكا وانظر أين تضع قدمك منها ، فإنّ من ركن إليها خذلته ، ومن آنس بها أوحشته ، ومن رغب فيها أوهنته ، ومن انقطع إليها قتلته ، ومن طلبها أرهقته ، ومن فرح بها أترحته ، ومن طمع فيها صرعته ، ومن قدّمها أخّرته ، ومن أكرمها أهانته ، ومن آثرها باعدته من الآخرة ، ومن بعد من الآخرة قرب من النار ، فهي دار عقوبة وزوال وفناء وبلاء ، نورها ظلمة وعيشها كدر وغنيها فقير وصحيحها سقيم وعزيزها ذليل ، فكل منعم برغدها شقي وكل مغرور بزينتها مفتون ، وعند كشف الغطاء يعظم الندم ويخمد الصدر أو يذم .
وقال عليه السّلام : يأتي على الناس زمان لا يعرف فيه إلّا الماحل ولا يطرف فيه إلّا الفاجر ولا يؤتمن ( فيه ) إلّا الخائن ولا يخون إلّا المؤتمن ، يتخذون الفيء مغنما والصدقة مغرما وصلة الرحم منّا والعبادة إستطالة على الناس وتعديّا ، وذلك يكون عند سلطان النساء ومشاورة الإماء وإمارة الصبيان « 3 » .
وقال عليه السّلام : إحذروا الدنيا إذا أمات الناس الصلاة وأضاعوا الأمانات واتبعوا الشهوات واستحلّوا الكذب وأكلوا الربا وأخذوا الرشا وشيدوا البناء واتبعوا الهوى وباعوا الدين بالدنيا واستخفوا بالدماء وركنوا إلى الرياء وتقاطعت الأرحام ، وكان الحلم ضعفا والظلم فخرا والأمراء فجرة والوزراء كذبة والأمناء خونة والأعوان ظلمة والقراء فسقة ، وظهور الجور وكثرة الطلاق وموت الفجأة وحلّيت المصاحف وزخرفت المساجد وطوّلت المنابر ونقضت العهود وحزنت القلوب واستحلوا المعارف وشربت الخمور وركبت الذكور واشتغل النساء بالنساء وشاركن أزواجهن في التجارة حرصا على الدنيا وعلت الفروج السروج وتشبهن بالرجال ، فحينئذ عدّوا أنفسكم في الموتى ، ولا تغرنّكم الحياة الدنيا .
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة 7 : 246 / 112 .
( 2 ) دستور معالم الحكم : 34 ، شرح نهج البلاغة 7 : 250 / 113 .
( 3 ) الكامل للمبرد 1 : 395 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 209 ، شرح نهج البلاغة 18 : 260 / 98 ، نثر الدر للآبي 1 :
277 .