تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أهل البيت ( ع ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
فلا تغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها ، فرحم اللّه امرءا تفكر واعتبر وابصر أدبار ما قد أدبر وحضور ما قد حضر « 1 » فكان ما هو كائن من الدنيا ، عن قليل لم يكن وكان ما هو كائن من الآخرة لم يزل وكلما هو آت قريب . فكم من مؤمل ( ما ) لا يدركه وجامع ما لا يأكله ومانع ما ( لا ) يتركه ولعله من باطل جمعه أو حق منعه أصابه حراما وورثه عدوانا فاحتمل ما ضرّه وباء بوزره وقدم على ربه آسفا لاهفا خسر الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين « 2 » . وقال عليه السّلام : مثل الدنيا مثل الحيّة ، لين مسّها قاتل سمها فأعرض عمّا يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها وكن آنس ما تكون إليها وأوحش ما تكون منها ، فإنّ صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته ( إلى مكروه ) فقد يسر المرء بما لم يكن ليفوته ، ويحزن لفوات ما لم يكن ليصيبه أبدا وإن جهد ، فليكن سرورك بما قدمت من عمل أو قول وليكن أسفك على ما فرطّت فيه من ذلك ولا تكن على ما فاتك من الدنيا حزينا وما أصابك منها فلا تنعم به سرورا واجعل همّك لما بعد الموت ، فإنّما توعدون لآت « 3 » . وقال عليه السّلام : أنظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها ، فإنها عن قليل تزيل الساكن وتفجع المترف ، فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها ، فرحم اللّه امرءا تفكر واعتبر وأبصر أدبار ما قد أدبر وحضور ما قد حضر ، فكان ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن وما هو كائن من الآخرة لم يزل ، اي والله عن قليل تشقي المترف وتحرك الساكن وتزيل الثاوي ، صفوها مشوب بالكدرة وسرورها منسوج بالحزن وآخر حياتها مقترن بالضعف فلا يعجبنكم ما يغرنكم منها ، فعن كثب تنقلون عنها وكلمّا هو آت قريب ، وهنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى اللّه مولاهم الحق ، وضلّ عنهم ما كانوا يفترون « 4 » . وقال عليه السّلام : أحذركم الدنيا فإنّها ليست بدار غبطة ، قد تزينت بغرورها وغرّت بزينتها لمن كان ينظر إليها فاعرفوها كنه معرفتها ، فإنّها دار هانت على ربها ، قد اختلط حلالها بحرامها وحلوها بمرّها وخيرها بشرها ولم يذكر اللّه تعالى شيئا اختصه منها لأحد من أوليائه ولا أنبيائه ولم يصرفها عن أعدائه ، فخيرها زهيد وشرّها عتيد وجمعها نفيد وملكها سليب وعزها يبيد ، فالمستمتعون بالدنيا تبكي قلوبهم وإن فرحوا يشتدّ مقتهم لأنفسهم وإن اغتبطوا ببعض ما منها رزقوا ، الدنيا فانية لا بقاء
هامش
( 1 ) في نسخة : احضر . ( 2 ) دستور معالم الحكم : 44 ، شرح نهج البلاغة 7 : 105 / 102 ، الفصول المهمّة : 115 . ( 3 ) وهي من موعظة كتبها إلى سلمان الفارسي ( رضي الله عنه ) ، أنظر : دستور معالم الحكم : 37 ، تيسير المطالب : 373 ، شرح نهج البلاغة 18 : 34 / 68 ، إحياء علوم الدين 3 : 317 . ( 4 ) تيسير المطالب : 374 ، نثر الدر للآبي 1 : 315 .
موسوعة أهل البيت ( ع ) — صفحة 161 | السيد علي عاشور