زفير جهنم وشهيقها وصلصة حديدها في آذانهم مكبين على وجوههم وأكفّهم ، تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى اللّه في فكاك رقابهم .
وأما النهار فعلماء أبرار أتقياء قد براهم الخوف ، فهم أمثال القداح إذا نظر إليهم الناظر يقول بهم مرض ويقول قد خولطوا وما خولطوا ، إذا ذكروا عظمة اللّه وشدّة سلطانه وذكروا الموت وأهوال القيامة وجفت قلوبهم وطاشت لحومهم وذهلت عقولهم ، فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى اللّه بأعمال زاكية ، لا يرضون بالقليل ولا يستكثرون الكثير فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون ، إن زكى أحدهم خاف اللّه وغاية التزكية فقال : أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي مني ، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني كما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون .
ومن علامات أحدهم « 1 » : أن يكون له حزم في لين ، وإيمان في يقين ، وحرص على تقوى ، وفهم في فقه ، وحلم في علم ، وكيس في رفق ، وقصد في غنى ، وخشوع في عبادة ، وتحمّل في فاقة ، وصبر في شدّة ، وإعطاء في حق ، وطلب لحلال ، ونشاط في هدى ، وتحرّج في طمع ، وتنزّه عن طمع « 2 » ، وبرّ في استقامة ، واعتصام بالله من متابعة الشهوات ، وإستعاذة به من الشيطان الرجيم ، يمسي وهمّه الشكر ويصبح وشغله الذكر ، أولئك الآمنون المطمئنون الذين يسقون من كأس لا لغو فيها ولا تأثيم « 3 » .
وقال عليه السّلام : المؤمنون هم الذين عرفوا إمامهم فذبلت شفاههم ، وغشيت عيونهم ونهجت ألوانهم حتى عرفت في وجوههم عبرة الخاشعين ، فهم عباد اللّه الذين مشوا على الأرض هونا واتخذوها بساطا وترابها فراشا ، رفضوا الدنيا وأقبلوا على الآخرة على منهاج المسيح بن مريم ، إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا وإن مرضوا لم يعادوا ، صوّام الهواجر قوّام الدياجر تضمحل عنهم كل فتنة وتنجلي عنهم كل شبهة « 4 » ، أولئك أصحابي فاطلبوهم في أطراف الأرضين ، فان لقيتم منهم أحدا فاسألوه يستغفر لكم .
وقال عليه السّلام : شيعتنا المتباذلون في ولايتنا المتحاببون في مودتنا المتآزرون في أمرنا ، ( الذين ) إن غضبوا لم يظلموا ، وإن رضوا لم يسرفوا ، بركة على من جاوروه ، سلم لمن خالطوه ، أولئك هم السائحون الناحلون الذابلون ، ذابلة شفاههم ، خمصة بطونهم ، متغيرة ألوانهم ، مصفرّة وجوههم ، كثير بكاؤهم ، جارية دموعهم ، يفرح الناس ويحزنون ، وينام الناس ويسهرون ( إذا شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا وإذا خطبوا الأبكار لم يزوجوا ) قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأنفسهم عفيفة ، وحوائجهم خفيفة ، ذبل الشفاه من العطش ، خمص البطون من الجوع ، عمش العيون من
هامش
( 1 ) في نسخة : علاماتهم .
( 2 ) في نسخة : طبع .
( 3 ) هذه جزء من خطبته مع همام .
( 4 ) في نسخة : كربة .