السهر ، الرهبانية عليهم لائحة ، الخشية لهم لازمه ، كلّما ذهب منهم سلف خلف في موضعه خلف ، أولئك الذين يردون القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر ، يغبطهم الأولون والآخرون ، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون « 1 » .
وقال عليه السّلام : المؤمن يرغب فيما يبقى ، ويزهد فيما يفنى ، يمزج الحلم بالعلم والعلم بالعمل ، بعيد كسله ، دائم نشاطه ، قريب أمله ، حيّ قلبه ، ذاكر لسانه ، لا يحدث بما لا يؤتمن عليه الأصدقاء ، ولا يكتم شهادة الأعداء ، لا يعمل شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء ، الخير منه مأمول ، والشر منه مأمون ، إن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين ، وإن كان من الغافلين كتب في الذاكرين ، يعفو عمّن ظلمه ، ويعطي من حرمه ، ويصل من قطعه ، ويحسن إلى من أساء إليه ، لا يعزب حلمه ولا يعجل فيما يريبه ، بعيد جهله ، لين قوله ، قريب معروفه ، غائب منكره ، صادق كلامه ، حسن فعله ، مقبل خيره ، مدبر شرّه ، في الزلازل وقور ، وفي المكاره صبور ، وفي الرخاء شكور ، لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحب ، ولا يدّعي ما ليس له ، ولا يجحد حقا عليه ، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه ، لا يضيع ما استحفظ ، ولا يرغب فيما لا تدعوه الضرورة إليه ، لا ينابز بالألقاب ، ولا يبغي على أحد ، ولا يهزأ بمخلوق ، ولا يضار بالجار ، ولا يشمت بالمصائب ، مؤد بأداء الأمانات ، مسارع إلى الطاعات ، محافظ على الصلوات ، بطيء عن المنكرات ، لا يدخل على الأمور بجهل ، ولا يخرج عن الحق بعجز ، إن صمت فلا يغمّه الصمت ، وإن نطق لا يقول الخطأ ، وإن ضحك فلا يعلو صوته سمعه ، ولا يجمح به الغضب ، ولا يغلبه الهوى ، ولا يقهره الشح ، ولا تملكه الشهوة ، يخالط الناس ليعلم ، ويصمت ليسلم ، ويسأل ليفهم ، ينصت للخير ليعمل به ولا يتكلم به ليفتخر على ما سواه ، نفسه منه في عناء ، والناس منه في راحة ، يبعث « 2 » نفسه لآخرته ، ويعصي هواه لطاعة ربه ، بعده عمن تباعد منه نزاهة ، ودنوه ممن دنا منه لين « 3 » ورحمة ، ليس بعده تكبرا ، ولا قربه خديعة ، مقتد بمن كان قبله من أهل الإيمان ، إمام لمن بعده من البررة المتّقين « 4 » .
وقال عليه السّلام : طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ، أولئك قوم اتخذوا أرض اللّه مهادا وترابها وسادا وماؤها طيبا ، وجعلوا الكتاب شعارا والدعاء دثارا ، إنّ اللّه أوحى إلى عبده المسيح عليه السّلام أن قل لبني إسرائيل : لا تدخلوا بيتا من بيوتي إلّا بقلوب طاهرة ، وأبصار خاشعة ، وأكف نقية ، وأعلمهم إنّي لا أجيب لأحد منهم دعوة ولأحد من خلقي قبله مظلمة « 5 » .
هامش
( 1 ) إحياء علوم الدين 4 : 598 باختصار .
( 2 ) في نسخة : يتعب .
( 3 ) في نسخة : دين .
( 4 ) وهي جزء من خطبته مع همام وستأتي في ص 228 .
( 5 ) تيسير المطالب : 365 ، دستور معالم الحكم : 76 ، المعيار والموازنة : 263 ، حلية الأولياء 1 : 79 ، تاريخ بغداد 7 : 162 .