الحاضرين : بل أنا المجترم عليها يا أمير المؤمنين . فقال له عليه السّلام : فلم ذممتها ، أليست دار صدق لمن صدقها ودار غنى لمن تزود منها ودار عافية لمن فهم عنها ! مسجد أحبائه ومصلّى « 1 » أنبيائه ومهبط ملائكته ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الطاعة وربحوا منها الجنة فمن ذا يذمها وقد أذنت بانتهائها ونادت بانقضائها وأنذرت ببلائها ، فإن راحت بفجعة فقد غدت بمبتغى ، وإن اغضرت بمكروه فقد أسفرت بمشتهى ، ذمّها رجال يوم الندامة ومدحها آخرون ، حدّثتهم فصدقوا وذكّرتهم فذكروا ، فيا أيها الذام لها المعني بغرورها متى غرّتك !
أم متى استندمت « 2 » إليك بمصادع آبائك في البلى !
أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى !
كم عللت بدنك ومرضت وأذاقتك شهدا أو صبرا !
فإن ذممتها لصبرها فامدحها لشهدها وإلّا فاطرحها لا مدح ولا ذم ، قد مثلت لك نفسك حتى ما يغني عنك بكاؤك ولا يرحمك أخاك « 3 » .
وقال عليه السّلام : إنّ الدنيا قد أدبرت وأذنت بوداع ، وإنّ الآخرة قد أقبلت وأذنت باطلاع ، ألا وإنّ المضمار اليوم والسباق غدا ، ألا وإنّ السبقة الجنة والغاية النار ، الّا وإنكم في أيام مهل من ورائه يحثّه عجل ، فمن عمل في أيام مهلة قبل حضور « 4 » أجله ( نفعه عمله ولم يضره أجله ، ومن لم يعمل أيام مهله قبل حضور أجله ) ضره أجله ولم ينفعه عمله ، ولو عاش أحدكم ألف عام كان الموت بالغه ونحبه لاحقه ، فلا تغرنّكم الأماني ولا يغرنكم بالله الغرور ، قد كان قبلكم لهذه الدنيا سكان شيّدوا فيها البنيان ووطنوا الأوطان ، أصبحت أبدانهم في قبورهم هامدة وأنفسهم خامدة ، فتلهّف المفرط منهم على ما فرّط يقول : يا ليتني نظرت لنفسي ، يا ليتني كنت أطعت ربي « 5 » .
وقال عليه السّلام : إنّ الدنيا ليست بدار قرار ولا محل إقامة ، إنّما أنتم فيها كركب عرسوا وارتاحوا « 6 » ثم استقلّوا فغدوا وراحوا ، دخلوها خفافا وارتحلوا منها ثقالا ، فلم يجدوا عن مضحى
هامش
( 1 ) في نسخة : ومنزل .
( 2 ) في نسخة : استذمت .
( 3 ) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 3 : 314 / 1273 و 1274 ، تيسير المطالب : 373 - 374 ، شرح نهج البلاغة 18 : 325 / 127 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 208 ، المعيار والموازنة : 268 ، تذكرة الخواص : 141 ، زهر الأدب 1 : 42 .
( 4 ) في نسخة : حلول .
( 5 ) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 3 : 212 / 1270 و 1271 ، نثر الدر للآبي 1 : 323 ، البيان والتبيين 2 : 35 ، دستور معالم الحكم : 35 ، شرح نهج البلاغة 2 : 91 ، مروج الذهب 2 : 419 ، الفصول المهمّة : 114 .
( 6 ) في المصدر : وأناخوا .