وحلوها صبر وغذاؤها سمام وأسبابها رمام ، حيّها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم ومنيعها بعرض إهتضام ، عزيزها مغلوب وملكها مسلوب وضيفها مثلوب وجارها محروب ، ثم ( من ) وراء ذلك هول المطلع وسكرات الموت والوقوف بين يدي الحكم العدل ليجزي الذي أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، ألستم في منازل من كان أطول منكم أعمارا وآثارا وأعدّ منكم عديدا وأكثف جنودا وأشد منكم عتودا ؟
تعبّدوا للدنيا أي تبعد وآثروها أي إيثار ثم ضعنوا عنها بالصغار ، فهل بلغكم أنّ الدنيا سخت لهم بفدية أو أغنت عنهم فيما قد أهلكهم من خطب ؟ بل قد أوهنتهم بالقوارع وضعضعتهم بالنوائب وعفرتهم للمناخر وأعانت عليهم ريب المنون ، فقد رأيتم تنكّرها لمن دان بها وأجدّ إليها ، ضعنوا عنها لفراق أمد إلى آخر المسند ! « 1 » هل أحلّتهم إلّا الضنك أو زودتهم إلّا التعب أو نوّرت لهم إلّا الظلمة أو أعقبتهم إلّا النار !
أفهذه تؤثرون أم على هذه تحرصون أم إلى هذه تطمئنون ! « 2 »
يقول اللّه جلّ من قائل :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 3 » فبئست الدار لمن لم يتّهمها ولم يكن فيها على وجل منها .
اعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لأبد ، فإنّما هي كما نعتها اللّه تعالى لهو ولعب ، واتعضوا بالذين كانوا يبنون بكل ريع آية يعبثون ويتخذون مصانع لعلّهم يخلدون ، واتعضوا بالذين قالوا من أشد منّا قوة ، واتّعضوا بإخوانهم الذين نقلوا إلى قبورهم لا يدعون ركبانا ، قد جعل لهم من الضريح أكنانا ومن التراب أكفانا ومن الرفات جيرانا ، فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما قد بادت أضغانهم فهم كمن لم يكن ، وكما قال اللّه تعالى :
فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ
« 4 » استبدلوا بظهر الأرض بطنا وبالسعة ضيقا وبالأهل غربة جاؤها كما فارقوها بأعمالهم إلى خلود الأبد ، كما قال عزّ وجلّ :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
« 5 » « 6 » .
وقال عليه السّلام : أيّها الذام للدنيا أنت المجترم عليها أم هي المجترمة عليك ! فقال قائل من
هامش
( 1 ) في المصادر : حين ضعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند .
( 2 ) في المصادر : حين ضعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند .
( 3 ) هود 11 : 15 - 16 .
( 4 ) القصص 28 : 58 .
( 5 ) الأنبياء 21 : 104 .
( 6 ) شرح نهج البلاغة 7 : 226 / 110 ، البيان والتبيين 2 : 86 ، العقد الفريد 4 : 225 ، المعيار والموازنة :
264 ، تحف العقول : 180 ، دستور معالم الحكم : 46 .