ولم ينقل عنهم التوقف في شيء من أخبار الصفات ، أو المعاد ونحوها ، بل قد اشتهر عنهم إمرارها كما جاءت بلا كيف ، وعدم التعرض لتأويلها ، وصرح الكثير منهم بالقول بمقتضاها على ما يليق بجلال اللّه تعالى .
3 - ومنها ما تواترت به الأخبار عن النبي صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم في بعثه الدعاة إلى أطراف البلاد ، وعهده إليهم تبليغ جميع الدين أصولا وفروعا ، مع البداءة بالتوحيد كما في حديث معاذ المتفق عليه ، لما بعثه إلى اليمن قال له :
« إنك تأتي قوما من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا اللّه » - وفي رواية : « إلى أن يوحدوا اللّه - فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن اللّه افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن اللّه افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ، فتردّ على فقرائهم » « 312 » .
فانظر كيف أمره بتقديم الدعوة إلى التوحيد ، ثم بأركان الإسلام ، ولم ينقل أن أحدا من أولئك الرسل اقتصر على تبليغ الفروع ، أو الأعمال الظاهرة ، بل كانوا يدعون إلى الإيمان باللّه وثوابه وعقابه ، والشهادة لمحمد صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم بالرسالة .
وهكذا بلغوا عنه أيضا العبادات الظاهرة المعلومة من الدين بالضرورة ، كالصلاة والزكاة ، وكذا المحرمات المجمع على تحريمها كالزنا وقتل النفس ، وكل ذلك مما تقبّله عنهم من استجاب لدعوتهم ، وبقي معتقدا لما تلقاه من أصول أو فروع ، وقامت عليه الحجة بذلك ، وهو دليل القبول .
وقد اعترض على هذا الدليل من قبل المنكرين بأن بعث أولئك الرسل لم يكن لتعليم الأصول ، وإنما هو لإخبارهم بالأدلة العقلية ، والآيات الكونية التي يعرفونها بفطرهم .
هامش
( 312 ) رواه البخاري برقم ( 1395 ) في أول الزكاة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما .