ولقد لزمه صحابته رضي اللّه عنهم ، فتلقوا عنه أنواع العلوم في الأصول والفروع ، وتقبلوها معتقدين لمفادها ، وعاملين بمقتضاها .
وهكذا بلّغوها لمن بعدهم ، امتثالا لأمره حيث قال : « بلغوا عني ولو آية » « 309 » ، فكان لزاما على كل مسلم قبول ما بلغه عنهم ، آثرين له عن نبيهم صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم وتصديقه ، سواء كان متواترا أو آحادا ، بعد ثبوته وتوفر أسباب قبوله ، أيّا كان متعلقه أصولا أو فروعا .
ولقد تلقى السلف من جملة ما بلغهم عن نبيهم صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم أحاديث الصفات والعقائد ، ودونوها في مؤلفاتهم ، موقنين بصحتها ، عالمين يقينا بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم جاء بها كما جاء بالصلاة والزكاة والتوحيد ، وهذا مثل أحاديث الشفاعة ، والحوض ، والميزان ، وعذاب القبر ونعيمه ، ورؤية اللّه في الآخرة ، وتكليمه لعباده كما يشاء ، وعلوه على خلقه ، وإثبات العرش ، ونحو ذلك .
فإن كل من له معرفة بأحوال الرواة ، وطرق الأحاديث ، يتحقق ثبوت هذا النوع من السنة ، ويوقن بصدوره عن النبي صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، ولو كانت طرقه آحادا ، فإن الذين نقلوه لنا هم الذين نقلوا جميع أنواع الشريعة ، فيلزم من ردّ بعض أخبارهم وقبول البعض التفريق بين متماثلين ، وإلحاق الطعن بالصحابة والسلف ، وعدم الثقة بأخبارهم مع ما عرف من ورعهم وتثبتهم ، وتحريهم للصدق ، إلى غير ذلك مما ينافي سوء الظن بهم .
وإليك بعض الأدلة القاطعة على قبول هذا النوع من الأخبار في هذا الباب :
1 - فمن ذلك ما تقدم من تناقل السلف لهذا النوع من الأخبار ، وتداولها بينهم ، والحرص على تلقيها وتحصيلها ، ثم الاشتغال بمذاكرتها ، وإثباتها في المؤلفات ، وإنّ في هذا لأوضح دليل على أنهم قد تحققوا صحتها ، واستفادوا منها العلم اليقيني ، وإلا لذهب عملهم ضياعا ، وحاشاهم أن يفنوا أعمارهم في تناقل
هامش
( 309 ) رواه البخاري ( 6 / 496 ) عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما .