واعتبروها أدلة يقينية مع أنها آحاد .
ثم إن الاعتبار في الإجماع على كل فن بأهله المشتغلين به ، فلا تضر مخالفة من أعرض عنه واشتغل بغيره ، كما لا تضر مخالفة أهل الطب والعربية وأهل الكلام في هذا الباب ، لعدم أهليتهم لمعرفة طرقه ، ومتونه ، ونقلته ، ونحو ذلك .
ثم إنه لا يراد أيضا بالإجماع اتفاق كل فرد من الأمة على العمل بكل فرد من أحاديث الصحيحين ، فقد استثنى ابن حجر وغيره ما تعقبهما عليه أحد الحفاظ ، أو وقع التجاذب بين مدلوليه « 286 » .
ولقد أتى على هذين الصحيحين أكثر من أحد عشر قرنا انتشر فيها ذكرهما في أقطار البلاد ، وبين طبقات المسلمين ، في شرق البلاد وغربها ، وما زال علماء المسلمين ينقلون منهما ، ويستدلون بأحاديثهما ، ويرجعون إليهما عند التنازع .
وقلّ أن يوجد مؤلّف في العبادات ، أو الاعتقادات لعالم معتبر ، إلا وفيه ذكر الصحيحين أو مؤلفيهما ، أو النقل منهما ، أو من أحدهما .
ولم يذكر عن أحد من العلماء المعتبرين طوال هذه القرون الطعن على الشيخين بعدم الحفظ ، أو أن ما في الكتابين غير ثابت ، أو نحو ذلك .
. . وقد حصل الإجماع قبل ذلك من الصحابة والتابعين وسلف الأمة ، على قبول مثل هذه الآحاد ، والعمل بها ، وترك الاجتهاد لأجلها ، مما يؤكد يقينهم بصحتها ، وصدورها عمن نسبت إليه .
ولا تعتبر مخالفة من تأخر عنهم ، أو من ليس من أهل صناعتهم ، ذلك أن الاعتبار في كل علم بأهله ، لا بمن أعرض عنه إلى سواه .
فلا تعتبر مخالفة الخوارج ، والمعتزلة ، والشيعة ونحوهم ، كما لا تعتبر مخالفة الأطباء والنحاة ، والمتكلمين ونحوهم ، ممن ليس لهم اشتغال بطرق الحديث ورجاله ، وتتبع رواياته ومتابعاته ، ونحو ذلك مما هو عمل أهل الحديث .
هامش
( 286 ) « نزهة النظر » ص ( 10 ) .