إسرائيل كانوا يعرفون عيسى ابن مريم ، والمعروف أيضا أن يحيى وعيسى ولدا في سنة واحدة ، وكلاهما نبيّ ، فليس أحدهما جاء بعد الآخر . ومما تجدر الإشارة إليه في هذه القضية أن كلمة ( بعدي ) جاءت أيضا في القرآن الكريم حكاية عن قول عيسى ابن مريم حين بشّر بالنبي الآتي بعده ، قال : . . .
وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
« 1 » ، فدلّت كلمة ( بعدي ) على فترة زمنية زادت على خمسة قرون .
ولو كان المقصود ب ( ذلك النبي ) هو عيسى ابن مريم لوجب أن يكون يحيى تابعا وخاضعا لكلماته ، لأنه وصفه بأنه عظيم ، وأنه لا يستحق أن يحمل حذاءه ، أو يحلّ رباط حذائه . ولكن يحيى لم يفعل ذلك مع عيسى ابن مريم ، بل كان يتصرّف في حياة عيسى كأيّ نبيّ مستقلّ غير تابع ، ولذلك كان يعمّد ، ويعظ ، ويحذّر ، ويوبّخ ، كما فعل مع الملك هيرودوس في الوقت الذي كان ابن خالته عيسى ابن مريم يقوم بدور النبي في يهودا أو الجليل .
ولو كان المقصود بذلك النبي عيسى ابن مريم ، فكيف يقول يحيى عنه أنه سابق عليه في الوجود ، وأنه خلق بعده ، كما قال : إنّ من يجيء بعدي قد خلق قبلي ، لأنه كان قبلي وفي ترجمة أخرى : هذا هو الذي قلت عنه : إن الآتي بعدي متقدّم عليّ ، لأنه كان قبل أن أوجد « 2 » . فلابدّ من أن يكون ذلك النبي الذي أخبر عنه يحيى بأنه الآتي بعده هو أعظم الرسل وأفضلهم ، ولا بدّ من أن يكون خاتمهم ، لأنه قد كان في الوجود قبلهم . ولا ينطبق هذا الوصف إلّا على رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
وهذا عيسى نفسه يبشّر بمحمد ، فقد قال لتلاميذه : إذا كنتم تحبوني فاعملوا بوصاياي . سوف أطلب من الأب أن يعطيكم معينا آخر يبقى معكم
هامش
( 1 ) سورة الصف : الآية : 6 .
( 2 ) العهد الجديد : يوحنا : 1 : 15