الحيل هو السحر عند المحقّقين ، ومعجزات الأنبياء عليهم السلام ليست من هذا الجنس ، بل جميع ما أتوا به كانت على ما أتوا به ولم يكن فيها تلبيس وتمويه ، وهذا ظاهر فيما لا يدخل جنسه تحت مقدور العباد ، كقلب العصا ثعبانا ، وفلق البحر بحيث يصير كلّ فرق كالطود العظيم ، وإحياء ميّت متقادم العهد وبقائه حيّا حتّى يولد له ، وإبراء الأكمه حتّى يصير مبصرا ، إذا لا يتصوّر في مثل هذه الأمور حيلة وتلبيس ، ولهذا ذكر شيوخ أهل العدل أنّ العقلاء يعلمون باضطرار أنّ هذه الأمور ليس فيها وجه حيلة ، وكذا ليس في القرآن في مثل بلاغته وفصاحته وجه حيلة .
قالوا : هذا أيضا ممّا يعلم ضرورة وإن علم كونه معجزا استدلالا وعلى هذا قال تعالى في قوم فرعون وما عاينوه من معجزات موسى عليه السلام وإنكارهم لها ظاهرا :
« وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوّا » .
فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون في الحشايش والعقاقير والأدوية ما إذا شربه الإنسان صار فصيحا بليغا ، بحيث يتمكّن من مثل فصاحة القرآن وأن يكون فيها ما إذا مسّ به ميّت ، صار حيّا .
قلنا : إن كان في الوجود مثل ذلك لم يخلّ من أحد أمرين : إمّا أن يكون للناس طريق إلى معرفة ذلك الدواء أو لا يكون لهم طريق إلى معرفة ذلك فإن كان لهم طريق إلى معرفته ، وجب أن يمكن الظفر به والاطلاع عليه ، وإذا اطّلعوا عليه ، وجب أن يعارضوا به من ظهر عليه وتمسّك به ، وإن لم يكن لهم طريق إلى معرفته ولم يمكنهم الظفر به ، وجب أن يكون الظفر به والاطلاع عليه معجزا ، لأنّه يعلم أنّه لم يطلع عليه إلّا بأن أطلعه اللّه تعالى عليه ، وذلك خارق عادة من جهته تعالى ، مطابقا لدعوى المدّعي ، إذ التقدير أنّه تعالى لم يطلع عليه أحدا سوى المدّعي للنبوّة ، فيعلم بذلك صدقه في دعواه ، ثمّ يعلم بعد ذلك بخبره أنّ ذلك ليس من جهته ، بل من قبله تعالى ، كالقرآن الذي أنزله عليه ، وكذلك هذا في الدواء الذي أورده السائل وجوّزه في إحياء الموتى .
واعلم أنّ للسحر والحيل وجوها ، مهما فتّش عنها من اعتنى لها وقف على تلك الوجوه ، ولهذا يصحّ في ذلك التعلّم والتتلمذ ، ولا يختصّ به أحد دون غيره ، أي كلّ واحد متمكّن من تعلّمه ، وإذا تعلّمه أمكنه أن يفعل مثل فعل غيره ممّن يعلم ذلك ، ومعجزات الأنبياء عليهم السلام بخلاف ذلك ، لأنّ أعداءهم المعتنون بإبطال أمرهم الساعون في كشف عوارهم إن كانت لهم عوار ، يجدّون ويجتهدون في التفتيش عنها ويعتنون بالوقوف
ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة في ظل إمامة المهدي المنتظر ( ع ) — صفحة 494
مساهمون: ميرزا محسن آل عصفور
ص٤٩٤