القطع على صدق المدّعي وكون ما أتى به مصلحة ، وطريق العلم بذلك أن يختصّ خرق العادة بمقدوراته تعالى كإيجاد الجواهر وفعل الحياة أو يقع الجنس من مقدورات العباد على وجه لا تمكن إضافته إلى غيره ، كرجوع الشمس وانشقاق القمر وأمثال ذلك . واعتبرنا كونه مطابقا للدعوى ، لأنّه متى لم يكن خرق العادة متعلّقا بدعوى مخصوصة ، لم يكن أحد أولى به من أحد .
فإذا تكاملت هذه الشروط ، فلا بدّ من كونه دلالة على صدق المدّعي لكون هذا التصديق نائبا مناب لو قال تعالى : « صدق هذا فيما يؤدّيه عنّي » كما لا فرق في كون الملك الحكيم مصدّقا لمدّعي إرساله له بين أن يقول : « صدق عليّ » أو يفعل ما ادّعى كونه مصدّقا له به ممّا لم تجر عادة الملك بفعله ، فإن كان ما ذكرناه مشاهدا ، ففرض المشاهد له النظر فيه ، لكونه خائفا من فوت مصالح وتعلّق مفاسد ، وإن كان نائيا عن حدوث المعجز أو موجودا بعد تقضيه ، فلا بدّ مع تكليف ما أتى به النبيّ صلّى اللّه عليه وآله من نصب دلالة على صدقه وصحّة ما أتى به ، لقبح التكليف من دونهما ، وذلك يكون بأحد شيئين : إمّا قول من يعلم صدقه وإن كان واحدا أو تواتر نقل لا يتقدّر في ناقليه الكذب بتواطوء وافتعال أو اتّفاق لبلوغهم حدّا في الكثرة وتنائي الديار والأغراض أو وقوع نقلهم على صفة يعلم الناظر فيها تعذّر الكذب في مخبرهم من أحد الوجوه بقضيّة العادة وإن قلّوا ، وإن كانت هذه الطبقة تنقل عن غيرها وجب ثبوت هذه الصفات في من ينقل عنه ثمّ كذا حتّى يتّصل النقل بجماعة شاهدت المعجز لا يجوز على مثلها الكذب ، وذلك لا يتمّ إلّا بتعيّن الأزمنة للناظر في النقل وتميّز الناقلين ذوي الصفة المخصوصة في كلّ زمان ، لأنّ الجهل بأعيان الأزمنة يقتضي الجهل بأهلها ، وتعيّن الأزمنة مع الجهل بأعيان الناقلين الموصوفين يقتضي تجويز انقطاع النقل وتجويز إفتعاله واستناده إلى معتقدين دون الناقلين ، فمتى اختلّ شرط ممّا ذكرناه ارتفع الأمان من كذب الخبر المنقول ، ومتى تكاملت الشروط حصلت الثقة بالمنقول .
وقال العلامة الشيخ سديد الدين محمود الحمصي الرازي من أعلام الإماميّة في القرن السادس في كتاب المنقذ من التقليد : القول في الفصل بين المعجز والحيل : قد ذكرنا حقيقة المعجز ، فأمّا الحيلة فهي إراءة الغير لغيره أمرا في الظاهر على وجه لا يكون عليه مع إخفاء وجه الالتباس فيه ، نحو أن يري صاحب الحيلة ويخيل إلى الناظر أنّه ذبح حيوانا بخفّة حركاته ولا يذبحه في الحقيقة ، ثمّ يري من بعد أنّه أحياه ، وهذا الجنس من
ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة في ظل إمامة المهدي المنتظر ( ع ) — صفحة 493
مساهمون: ميرزا محسن آل عصفور
ص٤٩٣