وذلك أنّ أصناف المعجزات ثلاثة :
صنف يتعلّق بفضيلة العلم وذلك بأن يؤتى المستعدّ لذلك كمال العلم من غير تعليم وتعلّم بشري حتّى يحيط علما بما شاء اللّه تعالى بقدر الطاقة البشريّة بالاله الحق وطبقات ملائكته وسائر أصناف خلقه وكيفيّة المبدأ والمعاد إلى غير ذلك على ما دلّ عليه قوله تعالى
( وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ )
وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ( أوتيت جوامع الكلم ) وما اجتمعت الأمّة عليه من أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد أوتي علوم الأوّلين والآخرين مع ما اشتهر من إمره أنّه الرسول الأمّي ودلّ عليه قوله تعالى
( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ )
وفي مثل هذه النفس قال اللّه تعالى
( يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ )
وكأن مثال هذه النفس كبريت والعقل الفعّال نار فيشتعل فيها دفعة واحدة ويحيلها إلى جوهره - .
وصنف يتعلّق بفضيلة تخيل القوى وذلك أن يؤتى المستعدّ لذلك ما يقوى على تخيّلات الأمور الحاضرة والماضية والاطلاع على مغيبات الأمور المستقبلة فيلقى إليه كثير من الأمور التي تقدّم وقوعها بزمان طويل فيخبر عنها وكثير من الأمور التي تكون في الزمان المستقبل فينذر بها .
وبالجملة يحدث عن الغيب فينتصب بشيرا ونذيرا وخاصيّته الإنذار بالكائنات والدلالة على المغيبات على ما دلّ عليه قوله تعالى
( تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ )
وقوله عزّ وجلّ
( رُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ )
وقوله تعالى
( ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ )
وأخباره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بموت النجاشي وقوله عليه السلام لرسول كسرى ( إنّ ربّي قتل ربّك البارحة ) فكان كما قال إلى غير ذلك ممّا نطق به القرآن العزيز واشتمل عليه الأحاديث الصحيحة وشهدت بصحّته الآثار والأخبار وقد يكون هذا المعنى لكثير من الناس في النوم ويسمّى الرؤيا .
وأمّا الأنبياء عليهم السلام فإنّما تكون لهم في حالتي النوم واليقظة معا فهذان الصنفان يتعلّقان بالقوّة المدركة من النفس الإنسانيّة وهما داخلان تحت تأثير النفساني في النفساني .
قالت الحكماء وبهذين الصنفين من المعجزات يتعلّق إعجاز القرآن وذلك لما يتضمنّه مع الفصاحة والبلاغة والشأن العجيب والنظم البديع الغريب من الدلالة