أسلحة الدعوات الضالّة المنحرفة
وقبل الدخول في تفصيل أنواع تلك الأسلحة نقدّم تمهيدا عن القوى الغريبة نقل فيه كلاما للشيخ الرئيس ابن سينا حول ذلك فمنه قوله في كتاب الإشارات والتنبيهات :
ليس ببعيد أن يكون لبعض النفوس ملكة يتجاوز تأثيرها عن بدنه إلى سائر الأجسام وتكون تلك النفوس لفرط قوّتها كأنّها نفس مدبّرة لأكثر أجسام العالم ، وكلّما يؤثّر في بدنها بكيفيّة مزاجيّة مباينة الذات لها كذلك تؤثّر أيضا في أجسام العالم بمباديء لجميع ما مرّ ذكره في الفصل المتقدّم أعني يحدث عنها في تلك الأجسام كيفيّات هي مبادئ تلك الأفعال خصوصا في جسم صار أولى به لمناسبة تخصّه مع بدنه كملاقاة إيّاه أو إشفاق عليه ، فإن توهّم متوهّم أن صدور مثل هذه الأفعال لا يجوز أن يصدر عن النفس الناطقة لظنّه أنّ العلّة لا تقتضي شيئا لا يكون موجودا فيه أو له ولو كان بالأثر فينبغي أن يتذكّر أنّه ليس كلّ مسخّن بحارّ فإنّ الشعاع مسخّن وليس بحارّ ولا كلّ مبرّد ببارد فإنّ صورة الماء مبرّدة وليست ببارد إنّما البارد مادّتها القابلة لتأثيرها ، فإذن لا يستنكر وجود نفس تكون لها هذه القوّة حتّى تفعل في أجرام غير بدنها فعلها في بدنها وتتعلّق بأبدان غير بدنها فتؤثّر في قواها تأثيرها في قوى بدنها خصوصا إذا شحذت ملكتها بقهر قواها البدنيّة : أي حدّدت يقال :
شحذت السكّين : أي حدّدته ، والمراد أنّها إذا حصلت لها ملكة تقتدر بها على قهر قوى بدنها كالشهوة والغضب وغيرهما بسهولة فهي تقتدر بحسب تلك الملكة على قهر مثل هذه القوى من بدن غيرها .
هذه القوّة ربّما كانت للنفس بحسب المزاج الأصلي لما يفيده من هيئة نفسانيّة تصير للنفس الشخصيّة تشخصها وقد تحصل لمزاج يحصل وقد تحصل بضرب من الكسب يجعل النفس كالمجردة لشدّة الذكاء كما يحصل لأولياء اللّه الأبرار .
فالذي يقع له هذا في جبلّة النفس ثمّ يكون خيرا رشيدا مزكيا لنفسه فهو ذو معجزة من الأنبياء أو كرامة من الأولياء وما تزيده تزكية لنفسه في هذا المعنى زيادة على مقتضى جبلّته فيبلغ المبلغ الأقصى والذي يقع له هذا ثمّ يكون شريرا ويستعمله