وهو يخطب الناس على منبره وهو يقول : أيها الناس ! اني قد رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها ، ورأيت في ذراعي سوارين من ذهب ، فكرهتهما ، فنفختهما فطارا ، فأوّلتهما هذين الكذّابين : صاحب اليمن ، وصاحب اليمامة .
وفيه : وقد كان مسيلمة بن حبيب ، قد كتب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : من مسيلمة رسول اللّه إلى محمد رسول اللّه ، سلام عليك ، أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك ، وان لنا نصف الأرض ، ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشا قوم يعتدون ، فقدم عليه رسولان له بهذا الكتاب : قال نعيم بن مسعود الأشجعي : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول لهما حين قرأ كتابه : فما تقولان أنتما ؟ قالا : نقول كما قال ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : أما واللّه لولا ان الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما كما كتب إلى مسيلمة : « بسم اللّه الرحمن الرحيم :
من محمد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذّاب : السلام على من اتّبع الهدى ، أما بعد فإن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين » . وذلك في آخر سنة عشر .
وحكى الزمخشري عن الجاحظ في كتاب ربيع الأبرار ونصوص الأخبار أنه قال : كان مسيلمة قبل التنبّؤ يدور في الأسواق كسوق الأبلّه 189 وسوق بقّة 190 وسوق الحيرة 191 يلتمس تعلم الحيل والنيرنجيات ، واحتيالات أصحاب الرقى والنجوم ، وكان قد أحكم حيل الحواة وأصحاب الزجر والخط ، فمن ذلك أنه صبّ على بيضه من خل حاذق قاطع فلانت ، حتى إذا مددتها استطالت واستدقت كالعلك ، ثم أدخلها قارورة ضيقة الرأس ، وتركها حتى انضمت واستدارت وعادت كهيأتها الأولى ، فأخرجها إلى قومه ، وهم قوم أعراب ، وادعى النبوّة فآمن به جماعة ، وقيل فيه :
ببيضة قارور وراية شادن * وتوصيل مقصوص من الطير جاذف
يريد براية الشادن الراية التي يعملها الصبي من القرطاس الرقيق ويجعل لها ذنبا وجناحا ويرسلها يوم الريح بالخيوط الطوال كان يعمل رايات من هذا الجنس ويعلق بها الجلاجل ويرسلها في ليلة الريح ويقول : الملائكة تنزل عليّ وهذه خشخشة الملائكة وزجلها وكان يصل جناح الطائر المقصوص بريش فيطير 192 .
وفي تفسير ابن كثير الدمشقي : ومن كلمات مسيلمة الكذاب : « يا ضفدع بنت ضفدعين نقي كم تنقين لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين » وقوله : « لقد أنعم اللّه