فإن الملحد الدهري والثنوي المانوي واليهودي والنصراني ، يعلمون هذا من حاله ، وأنه عليه السلام كان يدعيه ، كما يعلم ذلك المسلمون المتبعون ، وإذا دل المعجز على صدقه وصحّة نبوّته ، ثبت بهذين الأمرين أن شرعه مؤبّد .
وليس يمكن اليهود أن تدعي أن العلم بتأبيد شرعها ، وأن نبيّها موسى عليه السلام ، معلوم من دينه ذلك ، كما ادّعاه المسلمون ، لأن العلم الضروري يجب الاشتراك فيه ، وما يشارك اليهود في هذا العلم إذا دعوه أحد من مخالفيهم ، لأن النصارى يخالفهم في ذلك ، كما يخالفهم المسلمون فيه ، ويتقوّل عن نفوسهم العلم بما ادعوا العلم به ، وكذلك الملحدون والبرهميون النافون للنبوات .
وكل هؤلاء مشاركون للمسلمين في العلم بأنّ نبيهم عليه السلام أبد شرعه وادعى أنه لا ينسخ ، فبطل أن يكونوا متساوين للمسلمين في الحكم الذي ذكرناه .
وإذا قيل لنا : فمن أين علمتم كذبهم في هذه الدعوى - أعني أنّ شريعتهم لا تنسخ - إذا لم تعلموا صحّتها ، فليس كل شيء لم يعلم صحّته قطع على كذب راويه .
قلنا : من حيث كذّبهم نبيّنا عليه السلام ودعاهم إلى شريعة هي ناسخة لكل شرع تقدم ، وقد علمنا صدقه بالمعجزات الباهرة .
فلم يبق آخر المسألة من أنا إذا كنا نعلم كذب اليهود فيما يدعونه من تأييد شرعهم بقول نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله ، فقيل بعينه ، ثم بأيّ شيء كان يعرف ذلك .
والجواب أن طريق معرفة ذلك نبوّة كل نبي بعد موسى عليه السلام دعى إلى نسخ شريعته ، كعيسى عليه السلام وما يجري مجراه 184 .
وقال أمين الإسلام الطبرسي في المجمع : في قوله تعالى :
« وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ »
:
أي وآخر النبيّين ختمت النبوّة به ، فشريعته باقية إلى يوم الدين ، وهذا فضيلة له صلّى اللّه عليه وآله اختصّ بها من بين سائر المرسلين ، فإن قيل : ان اليهود يدّعون في موسى مثل ذلك ؟ فالجواب : ان بعض اليهود يدّعون ان شريعته لا تنسخ وهم مع ذلك يجوزون أن يكون بعده أنبياء ونحن إذا أثبتنا نبوّة نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله بالمعجزات القاهرة وجب نسخ شريعته بذلك ، إنتهى كلامه .
وقال الشيخ المفيد قدس سره الشريف في مقدمة كتابه ( المقنعة ) : ويجب أن يعتقد . . . أنّ محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف صلّى اللّه عليه وآله خاتمهم وسيّدهم وأفضلهم وأنّ شريعته ناسخة لما تقدّمها من الشرائع