ويمكننا أن نستنتج من هذه الحكاية أنّ عامل الفقر بشكل خاص أو الاقتصادي بنحو عام يمثّل أحد الدوافع المهمّة لابتداع المذاهب والمبادئ المنحرفة الهدّامة في المجتمعات البشرية كافة .
الدافع العقائدي
من أكبر المسائل التي أولاها الإسلام العناية الفائقة محاربة الجهل بكافة أشكاله وألوانه وأنماطه والسعي الحثيث لاجتناب كل مظاهره من ساحة الفكر ومحيط الفرد وإطار المجتمع وحدود الدولة ومبلغ ذلك يمكن استقراؤه من خلال تصفّح ما ورد من طريق الشرع بهذا الصدد .
ويكفينا التمثيل بما ورد من النص على حرمة التعرّب بعد الهجرة كشاهد هام على ما نحن فيه قال المحقق الفاضل الشيخ فخر الدين الطريحي : وفيه - أي في حديث - : « لا تعرّب بعد الهجرة » يروى بالعين المهملة يعني الالتحاق ببلاد الكفر والإقامة بها بعد المهاجرة عنها إلى بلاد الإسلام ، وكأنّ من رجع من الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدّونه كالمرتد .
وفي كلام بعض علمائنا : المتعرّب بعد الهجرة في زماننا هذا أن يشتغل الإنسان بتحصل العلم ثم يتركه ويصير منه غريبا .
وروي : « المتعرّب بعد الهجرة التارك لهذا الأمر بعد معرفته » وفي الخبر :
« من الكفر التعرّب بعد الهجرة » 146 .
أقول : وهذا التصريح يستفاد منه أمران :
( أولهما ) أن المراد بالتعرب هو سكنى المواطن التي لا يوجد فيها رافد علمي من كتاب في المعرفة بما يجب عليه الإحاطة به أو أستاذ ومعلم يأخذ عنه علمه وما يهمه في أمور دنياه وآخرته أو من يستطرقها ممن يؤخذ منه ذلك والغاية المأخوذة كضابطة في هذا الحكم ناظرة إلى أن سكان الصحاري والجبال والرساتيق والأرياف والقرى التي لا يستطرقها ولا يرتادها أهل العلم وروّاد الفضيلة والمعرفة ولا يوجد اتصال بينها وبين المدن المحتوية عليهم تعاني غالبا من تفشي البدع وغلبة الأهواء والتيارات المنحرفة ونشأة المذاهب الضالّة والعادات والآداب والرسوم والأعراف المستهجنة بل تشكل الأرضية الخصبة لكل من أراد أن يدلو بدلوه في هذا المجال .
( وثانيهما ) أنّ هذه الحالة قد تتجسّد في وسط المدن الكبيرة والحواضر