وتعالى بحكمته على من يشاء من عباده - وهو عزّ وجلّ الأعلم حيث يجعل رسالته « 1 » - فيتمكن به العبد من تجاوز ما تعارف عليه الناس من الأسباب الطبيعية والقيام بما يمكن القيام به بواسطة هذه الأسباب فتكون له مرتبة من الولاية التكوينية وتجاوز الأسباب الطبيعية بإذن اللّه ، وهذا النمط الخاص من العلم هو ما سمّي في القرآن الكريم ب « علم الكتاب » .
كما نلاحظ ذلك في قصة إتيان آصف بن برخيا بعرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين في طرفة عين ؛ فقد علل القرآن قدرته على القيام بهذا العمل في زمن قصير للغاية بحيث لا يتصوّر تحققّه على وفق الأسباب الطبيعية ، بما كان لديه من علم الكتاب . لاحظ قوله عزّ وجلّ :
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي
« 2 » .
وكان آصف بن برخيا وصيّا لسليمان النبي ( عليه السّلام ) أراد أن يعرّف الناس بأنه الحجة من بعده بإبراز علمه المأخوذ من الكتاب « 3 » ، وكان عنده مقدار معيّن من علم الكتاب وليس كلّه كما هو واضح من استخدام « من » التبعيضية في الآية المتقدمة .
ومنه يتضح أن الذي لديه علم الكتاب كلّه تكون له مرتبة أعلى من هذه الولاية التكوينية والتصرف في الأسباب والقدرة على الإحاطة ببواطن أعمال الناس وتقديم الشهادة الكاملة بأحقية الرسالة الإلهية .
وعليه فالشهيد على قومه ينبغي أن يكون لديه علم من الكتاب - كلا
هامش
( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى :اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُالأنعام ( 6 ) : 124 .
( 2 ) النمل ( 27 ) : 40 .
( 3 ) قصص الأنبياء للسيد الجزائري : 428 نقلا عن تفسير العياشي .