المتقدمتين ، وهي تدعم وتؤكد دلالتهما على حتمية وجود إمام حق في كل عصر يحتج به اللّه جلّ وعلا على أهل كل عصر « كل أمة ، كل أناس » فيما يرتبط بالهداية والضلال وانطباق أعمالهم على الدين الإلهي القيم .
واضح أن مقتضى كونه حجة للّه على خلقه أن يكون عالما بالشريعة الإلهية من جهة لكي يكون قادرا على هداية الخلق إليها وأن يكون بين أظهرهم للقيام بذلك ، هذا أولا ، وثانيا أن يكون محيطا بأعمال قومه لكي يكون شهيدا عليهم ، أي يستطيع الشهادة يوم القيامة بشأن مواقفهم تجاه الدين القيم .
وواضح أن الشهادة المذكورة في هذه الآيات مطلقة ، « وظاهر الجميع على إطلاقها هو الشهادة على أعمال الأمم وعلى تبليغ الرسل أيضا » « 1 » وقد صرّح الزمخشري في الكشاف بذلك وقال : « لأن أنبياء الأمم شهداء يشهدون بما كانوا عليه » « 2 » ، وأن الشهيد : « يشهد لهم وعليهم بالايمان والتصديق والكفر والتكذيب » « 3 » . والشهيد يجب أن يكون حيا معاصرا لهم غير متوفى كما يشير لذلك قوله تعالى على لسان عيسى ( عليه السّلام ) :
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
« 4 » .
يستفاد من هذه الآية أن إعلان نتاج الشهادة يكون في يوم القيامة لكن الإحاطة بموضوعها أي أعمال القوم يكون في الدنيا وخلال معاصرة الشهيد لامته لقوله تعالى :
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي . . .
، لذلك يجب أن يكون الشهيد الذي يحتج به اللّه يوم القيامة معاصرا لمن يشهد عليهم ، لذلك لا يمكن حصر الشهداء على الأمم بالأنبياء ( عليهم السّلام ) كما فعل الزمخشري
هامش
( 1 ) تفسير الميزان : 1 / 32 .
( 2 ) تفسير الكشاف : 3 / 429 .
( 3 ) تفسير الكشاف : 2 / 626 .
( 4 ) المائدة ( 5 ) : 117 .