بحقّ أقول لكم : لو وجدتم سراجا يتوقد بالقطران « 1 » في ليلة مظلمة لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريح نتنه . كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها .
يا عبيد الدنيا بحق أقول لكم : لا تدركون شرف الآخرة إلّا بترك ما تحبون ، فلا تنظروا بالتوبة غدا ، فانّ دون غد يوما وليلة وقضاء اللّه فيهما « 2 » يغدوا ويروح .
بحقّ أقول لكم : انّ من ليس عليه دين من الناس أروح وأقل همّا ممّن عليه الدين وان أحسن القضاء ، وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح هما ممن عمل الخطيئة وان أخلص التوبة وأناب . وانّ صغار الذنوب ومحقراتها من مكائد إبليس ، يحقّرها لكم ويصغّرها في أعينكم فتجتمع وتكثر فتحيط بكم .
بحقّ أقول لكم : انّ الناس في الحكمة رجلان : فرجل أتقنها بقوله وصدّقها بفعله . ورجل أتقنها بقوله وضيّعها بسوء فعله ، فشتان بينهما ، فطوبى للعلماء بالفعل وويل للعلماء بالقول .
يا عبيد السوء اتّخذوا مساجد ربّكم سجونا لأجسادكم وجباهكم . واجعلوا قلوبكم بيوتا للتقوى ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات .
انّ أجزعكم عند البلاء لاشدّكم حبّا للدنيا . وانّ أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا .
يا عبيد السوء لا تكونوا شبيها بالحداء الخاطفة « 3 » ولا بالثعالب الخادعة ولا بالذئاب
هامش
( 1 ) القطران - بفتح القاف وسكون الطاء وكسرها أو بكسر القاف وسكون الطاء - : سيّال دهني شبيه النفط ، يتخذ بعض الأشجار كالصنوبر والأرز فيهنأ به الإبل الجربى ويسرع فيه اشعال النار . وقوله : ( نتنه ) أي خبت رائحته .
( 2 ) كناية عن الموت فإنه يأتي في الغداة والرواح .
( 3 ) الحداء - بالكسر - : جمع حدأة - كعنبه - : طائر من الجوارح وهو نوع من الغراب يخطف الأشياء والخاطفة من خطف الشيء يخطف كعلم يعلم - : استلبه بسرعة والغادرة : الخائنة والعاتي : الجبّار .